أكرم حمدان-خاصّ الأفضل نيوز
في الأول من حزيران / يونيو عام 1987، كانت يد الغدر وعقلية الإجرام والتصفية تتربص بشخصية وطنية وعربية رفيعة ، وهي من الشخصيات القليلة التي مرت على لبنان وكانت في موقع متقدم من المسؤولية، ألا وهو الرئيس رشيد كرامي الذي قضى شهيدًا في مثل هذا اليوم فداء للبنان العربي، بعد تفجير الطوافة العسكرية التابعة للجيش اللبناني التي كانت تقله من الشمال باتجاه بيروت.
36 عاماً مرت وذكراه لا تزال حاضرة في الضمير والوجدان الوطني والعربي، لأن الشهيد الرشيد كان عنوانًا في الانتماء والهوية الوطنية والعربية، وكان وما زال في حضوره والغياب مثالًا لرجل الدولة الملتزم مبادئ القيم الوطنية والأخلاقية.
لقد كان للشهيد الرشيد الكثير من المواقف الوطنية والقومية، ومنها على سبيل المثال قوله في إحدى المناسبات:"إننا جزءٌ من هذه المنطقة العربية، والكلّ يعلم الظلم الذي يحلّ بنا نتيجة سياسة إسرائيل القائمة على العدوان وعلى التوسّع وعلى الإحتلال".
من المفيد والمهم التذكير بنهج وسيرة الشهيد الرشيد في هذه الأيام العصيبة التي يمر بها لبنان، لأننا أحوج ما نكون إلى أمثاله لإنقاذ البلد من براثن الفساد وسلبيات المذهبية ، والتأسيس لوطن العدالة والكفاءة والمواطنية الحقيقية، وهي المبادئ التي دفع من أجلها حياته ليبقى لبنان وطن الوحدة والعروبة وإسقاط كل محاولات التجزئة والتفرقة.
يستحق الشهيد الرشيد أن يكون شهيدًا للوحدة والحرية والعدالة والعروبة، فقد كان رجل الدولة الذي لم تتلطّخ يداه لا بالدماء ولا بالمال العام ولم يتراجع دفاعاً عن وحدة لبنان وعروبته حتى دفع حياته ثمنًا لمبادئه.
كان الرئيس الرشيد مثالاً لرجل الدولة المسؤول الذي كانت الأخلاق عنوان ممارسته الحكم والعمل الوطني والسياسي، وضع مصالح الوطن والأمة فوق أي اعتبار، فلم يخضع لإملاءات داخلية أو خارجية، ولا ساوم على قضية حق، ولا تخلى عن قيم مهما كانت المغريات كبيرة والتحديات صعبة.
لم يتاجر بمبدأ من أجل منفعة خاصة، ولا اتخذ المنصب سبيلاً للانتفاع أو وسيلة لاحتكار التمثيل الشعبي، ولا خرّب النفوس والذمم بمال أو سلطة، بل كان نظيف الكفِّ والعقل واللسان.
واجه مظالم النظام القديم، ورفض المشروع الذي حملته السفيرة الأميركية غلاسبي لتقسيم لبنان، كان يعي دائما نقاط القوة والضعف في المجتمع اللبناني، وكان يسعى لما فيه خير للوطن، ملتزمًا قضايا العرب والقضية الفلسطينية.
ولمن لا يعرف الرئيس الشهيد رشيد كرامي فهو من مواليد 31 من كانون الأول / ديسمبر من العام 1920، في مسقط رأسه طرابلس شمال لبنان، وهو الإبن الأكبر لرئيس الحكومة الأسبق عبد الحميد كرامي، أحد رجالات استقلال لبنان عن فرنسا، والذي كان أيضاً المفتي والقاضي الديني الأعلى في المدينة.
درس الحقوق في جامعة القاهرة وتخرج منها عام 1946، ومارس المحاماة في القاهرة لمدة 3 سنوات، ولدى عودته إلى لبنان، أسس مكتبًا للمحاماة في طرابلس.
انتخب لعضوية مجلس النواب لأول مرة عام 1951، لملء المنصب الشاغر بعد وفاة والده، واحتفظ بهذا المقعد حتى استشهاده عام 1987.
بعد شهر من انتخابه نائباً، تم تعيينه وزيرًا للعدل في حكومة الرئيس حسين العويني. وفي العام 1953، عيّن وزيراً للاقتصاد والشؤون الاجتماعية في حكومة الرئيس عبدالله اليافي.
تولى رئاسة الوزراء لأول مرة عام 1955، عندما كان يبلغ من العمر 34 عاماً. وقد شغل هذا المنصب 8 مرّات: من 1955 إلى 1956، ومن 1958 إلى 1960، ومن 1961 إلى 1964، ومن 1965 إلى 1966، ومن 1966 إلى 1968، ومن 1969 إلى 1970، ومن 1975 إلى 1976، ومن 1984 حتى استشهاده.
كان يتولى بعض الوزارات أيضاً خلال رئاسته للحكومة مثل وزارة المالية، الخارجية، الدفاع، الداخلية، الإسكان، الزراعة، السياحة والإعلام.
كانت علاقته متوترة دائماً مع رؤساء الجمهورية في لبنان، الذين كانوا يعينوه بسبب صلاته السياسية، على الرغم من الخلافات السياسية الجوهرية، فهو كان موهوباً بقيادة المعارضة دون حرق الجسور معهم.
عرف شعبياً بأنه رجل لجميع الأزمات، بسبب ميل رؤساء الجمهورية للجوء إليه، في أوقات الفتنة الوطنية الكبرى أو الإضطرابات السياسية.
اتصف بمهارته الكبيرة في ممارسة السياسة، رغم تعقيداتها في لبنان، وبما أنه كان يتحدث الفرنسية بطلاقة ويجيد اللغة الإنجليزية، إلا أنه تمّيز بأنه كان يصرّ دوماً على التحدث باللغة العربية وعلى أن يرافقه مترجم فوري خلال مقابلاته مع المراسلين الأجانب.
كان كرامي من مؤيدي الوحدة العربية والرئيس المصري جمال عبد الناصر، وكان من المدافعين عن القضية الفلسطينية.
كان من أبرز الذين وقفوا ضد اتفاق "17 أيار" الاستسلامي مع إسرائيل عام 1983.
استمر نهج الشهيد الرشيد بعد اغتياله، من خلال عائلته ومحبيه، وعلى رأسهم شقيقه المرحوم الرئيس عمر كرامي، وحالياً نجل شقيقه النائب فيصل كرامي.

