يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز
الانتماء هو شعور الإنسان بفخر الانضمام إلى جماعةٍ بشريّةٍ تعيشُ على أرضٍ محدّدةٍ وترتبط بها ارتباطاً وثيقاً، حتّى أنّها تكتسب من طبيعتِها طِباعاً تُميزُها عن سائر الجماعات، وحتى أنّها تستميت في الدفاع عنها.
والانتماء هو عبارة عن علاقة شخصيّة إيجابيّة، يبنيها الفرد مع أشخاص آخرين للوصول إلى أعلى درجات الإخلاص للناس من حوله وللوطن الذي يعيش فيه ...
لقد ارتبط الإنسان منذ القدم بالمكان الذي ولد فيه ويعيش فيه، حتّى أنّ الشّرائعَ السّماويةَ قدَّمت حبَّ الوطن، وأرضه وشعبه ومؤسّساته، على ما سواها واعتبرت من يموت دفاعاً عن وطنه شهيداً يحظى بمرتبةٍ عاليةٍ عند خالقه سبحانه وإجلال شعبه لتضحياته وفدائه، وقد جسّدَ سيّدُنا المسيحُ عليه السلامُ هذا الشّعور ببكائه حينما غادر بيت لحم في فلسطين المحتلة، وكان بصبره وإخلاصه وثباته على الحق مثالاً للفدائيين الذين يقاومون الظّلمَ والعدوان، وكذلك سيدنا محمدٌ بنُ عبدِ الله، عليه الصلاةُ والسلام، دعا ربّه حينما أُخرِجَ من مكّةَ وقال : ( اللّهم إنّي قد أخرجتُ من أحَبِّ البلادِ إليَّ فأنزلني أحبَّ البلاد إليك)، فكان أن أنزلَه يثربَ التي لم يتَّخذها وطناً له بل عاد إلى مكةَ فاتحاً بعد سنوات.
ويُعتبر مفهوم الانتماء للوطن من المفاهيم المُتوارثة التي تولد مع الإنسان، وذلك عن طريق ارتباطه بوالديه وذويه والأرض التي ولد عليها، إضافةً إلى ذلك فإنّه يعتبر مفهوماً مُكتسباً ينمو بشكلٍ أكبر من خلال المدارس والجامعات ودور العبادة والإعلام والأسرة وسائر مؤسّسات المجتمع المدني كالأندية والجمعيات والأحزاب... ولكن يجب أن يظهر هذا الانتماء في الأفعال والمواقف والأعمال المختلفة التي تهدف إلى حماية هذا الوطن ورفعته وتقدّمه، وتتجسّد تلك المواقف في العديد من السّلوكيّات الصّادرة من الأفراد بحيث تعبّر عن موقف الفرد تجاه ما يحدث على أرض وطنه ويتعلّق بمجتمعه. كما يعتبر الانتماء من الاحتياجات الهامّة التي تشعر الفرد بالرّابط المشترك الذي يربطه بأرضه وأبناء وطنه، ويؤدّي هذا الشّعور إلى صقل توجّهاته بحيث تتحوّل إلى توجّهات تهدف إلى خدمة الوطن والتّضحية من أجله والتّفاني في سبيل عزّته، والمشاركة في إعماره التي ستشعره بقيمته كمواطنٍ وإنسان يختلف عن سائر البهائم.
ومن قيم الانتماء للوطن ينبغي إبراز قيمة الوحدة الوطنيّة، وتحويلها إلى هدف يعمل المواطنون والأحزاب على تحقيقها على أرض الواقع والمحافظة على استمراريتها بدلاً من الأحاديث عن الطّروحات التّقسيميّة للوطن الصّغير بمساحته والكبير بتطلّعات أبنائه كالفيدرالية وغيرها، وبدلاً من الاصطفافات المذهبيّة والطائفيّة والمناطقيّة التي لا تخدم إلّا مصالحَ الإقطاعيين الطّامعين والسّياسيين الذين لا يحملون في رؤوسهم إلّا شهوات التّسلّط وأهواء الأَنا بعيداً عن الأفكار والرؤى والمبادئ والقيم البنّاءة التي تواكب التّقدم الحضاري في باقي الدول.
فالوحدة الوطنيّة تعتبر من المُسَلّمات في كلّ الأوطان والتي من شأنها العمل على تقوية المجتمعات والمحافظة على أمنها ورخائها.
وأمّا مفهوم المواطنة في أيّ مجتمع فيرتبط ارتباطاً وثيقاً ببناء الدولة، وتحديد دور المواطن في البناء والإنتاج، وتحقيق الولاء والانتماء للوطن، وترسيخ القيم الاجتماعية والأخلاقية والثقافية ليكون الأفراد أكثرَ ثقة بأنفسهم وهويّتهم الوطنية والحضارية، وليكونوا قادرين على التعبير عن اعتزازهم وفخرهم بانتمائهم لأرضهم ومجتمعهم، فلا بديلَ عن الدولة العصرية التي تقوم على فكرة المُواطَنَة كشرطٍ أساسيّ لقيامةِ لبنان من التّخبّط والضّياع، ولا بديلَ عن تطبيق روح الدستور ومضامينه السامية، كعقدٍ اجتماعي وخشبة خلاص وجسر نجاة من الغرق، ولا بدّ من السّعي إلى تطويره وتعديله لكي يتماشى مع العصر ويواكب التّحدّيات، ومن أهم مضامين الدساتير والمواثيق الدّولية قولها: (النّاسُ مُتَسَاوُونَ في الحقوق والواجبات)، وبذلك يجب القضاء على المحسوبيات والمحاصصة والتوزيع المذهبي والطائفي والمناطقي للوظائف والامتيازات قبلَ الحديث عن قيامة الوطن .
وفي الختام، لا بدّ من أسئلة يطرحها كلُّ مواطنٍ لبنانيّ غيور وتتلخّص بالتالي:
هل نحن حقاً نحبُّ لبنان؟ هل تطلعاتُ أبناء لبنان وأمانيهم مشتركةٌ فعلاً؟ هل عدوّهم مشترك وصديقهم مشترك؟ هل نقدّم مصالحَ البلاد العليا على كلّ ما عداها من مصالح؟ وهل نفخر بانتمائنا إلى هذا الوطن الجميل الجريح والذي يستحقُّ منّا كلَّ فخرٍ واعتزاز وانتماء وولاء؟ كيف لا وهو الذي ضحّى ودافعَ عن كرامة الأمة العربية كلّها في مواجهة عدوّ اللهِ والإنسانية جمعاء، وهو الذي قاومَ حتى دُمّرَ بنيانُه واقتصادُه، وأعطى حتّى نفدت خزائنُه؟
ويبقى السّؤالُ الأهم : هل نحن شركاء في العدوان على لبنان؟ ولماذا؟

