كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
كلُّ تقريرٍ يصدرُ عن "صندوق النّقد الدّولي" أو "البنك الدّولي" أو مؤسّسات مال واقتصاد، يقدّم صورةً سوداء عن مصير لبنان المالي والاقتصادي، واستمرار قطاعه المصرفي كما القطاعات الأخرى التي تشهد انهيارات وأبرزها الصّحة والتّعليم، وهما ما كان لبنان يمتازُ بهما منذ عقود، فكان يسمّى مستشفى العرب وجامعتهم كما مطبعتهم التي تصدر الكتب والصحف والمجلات.
فمنذ أكثر من عامين، وبعد الأزمة التي انفجرت في العام ٢٠١٩، وأعقبها "حراك شعبي" في ١٧ تشرين الأول من العام نفسه، صدرت تقارير دولية تكشف أنّ لبنان يمرّ بأزمة خطيرة لم يشهدها منذ منتصف القرن التاسع عشر، وهي الثالثة بعد ثانية حصلت في مطلع القرن العشرين في أثناء الحرب العالمية الأولى.
صدر التّقرير السّنويّ عن صندوق النّقد الدّولي، ليكشفَ بأنّ لبنان يسير نحو خطر وجوديّ، ولا يتقدّم باتجاه الخروج من أزمته المالية والاقتصادية والاجتماعية، لا بل هو يتعثّر ويتأخّر، إذ جاء في التّقرير بأنّ الليرة اللبنانية فقدت ٩٨% من قيمتها، وهذا رقم خطير لم تصل إليه دول أخرى، سوى فنزويلا وموزامبيق والصومال، إذ يصنّف لبنان بأنّه الدولة الأكثر فقرًا، والتي بلغت نسبته ما فوق ٨٠ % من الشعب اللبناني، وقد فقدت الطبقة الوسطى حضورها فيه، والتي كانت متمثّلة بالموظّفين الرّسميّين والقطاع الخاص، لكن تدنّي الأجور إلى حدود ما بين ٣٠ دولارًا و ٢٠٠ دولارٍ ، شلَّ مؤسّسات القطاع العام وامتنع الموظّفون عن الحضور إلى مكاتبهم وأعلنوا الإضرابَ تلو الآخر، وعملت الحكومة على تعويض ما فقدوه من رواتبهم، فرفعتها، إلّا أنّها لم تصل إلى الحلّ المنشود.
وما كشفَهُ تقريرُ الصّندوق من ارتفاع في التّضخم إلى ٢٧٠%، هو رقم عالٍ جدًّا في لائحة الدول التي مرّت أو تمرّ بأزمة كلبنان الذي لم يحقّق بعد الإصلاحات المطلوبة منذ البدء بخطّة التّعافي التي قدّمها إلى الصّندوق، أو بقرارات إصلاحيّة ترتبط بمحاربة الفساد الذي يعدّ من الأسباب التي أوقعت لبنان في أزمة، كانت مقدّماتها قد بدأت تظهرُ منذ العام ١٩٩٥، وحاول رئيس الحكومة الأسبق الشهيد رفيق الحريري، معالجتها بالقروض التي كلّفت الخزينة خدمة دين، حيث لم يكن على لبنان دين خارجي، بل دين داخلي لا يتعدّى المليار دولار مع انتهاء الحرب الأهليّة في العام ١٩٩٠.
وأشارَ صندوقُ النّقد بأنّ الدّين العامّ في لبنان بلغ ٥٥٠%، وهو الأعلى في العالم، حيث خسر مصرف لبنان احتياطه الإلزامي من النّقد الأجنبي، وهذا مؤشّر سلبيّ على أنّ سعر صرف الليرة الذي استقرّ على أكثر من تسعين ألف ليرة للدولار، سيعود للارتفاع وفقَ خبراء ماليّين واقتصاديّين، وبعد إحالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى التّقاعد، وصعوبة تعيين حاكم جديد في ظلّ شغور رئاسة الجمهورية، واعتراض الرئيس نبيه بري على تسلّم الحاكم الأول وسيم منصوري لمهام سلامة، الذي يخضع للتّحقيق في جرائم ماليّة في لبنان ودول أخرى.
من هنا، فإنّ تقريرَ صندوق النّقد الدّولي، يكشفُ أنّ لبنان يتّجه إلى الكارثة الأخطر، ولا يبشّر بحلول للأزمة التي باتت مُستعصيةً، حيث فرض على الحكومة المُستقيلة اللّجوء إلى قرارات شعبيّة، كمثل تحرير سعر صرف الليرة، ورفع الدّعم للرّعاية الاجتماعيّة والصّحيّة والتّربويّة، حيث أنّ هذه الوصفات لم تساعد دولًا على الخروج من أزمتها كمصر وفنزويلا وغيرهما.
فلبنان صُنّف دولة فاشلة، بسبب مَنْ تولّوا السّلطةَ منذ ما بعد الاستقلال، وما زالوا يتحكّمون فيه، فنهبوا أموالَ الشّعبِ، الّذي استكان، ولم يعد يتحرّك في الشّارع، الذي استغلّ لمشاريع، ممّا أدخلَ اليأسَ إلى نفوسِ المواطنين.

