ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز.
منذ السادس عشر من كانون الثاني من السنة الحالية، أمانات السجل العقاري في لبنان أو ما يعرف شيوعا بالدوائر العقارية تدخل في إضراب مفتوح تخطى شهره السابع حتى بات أقرب إلى العصيان أو التمرد منه إلى الإضراب.
هذا الإضراب الذي ظاهره المطالبة بتحسين الرواتب في ظل انهيار العملة الوطنية إلا إن جوهره الحقيقي هو الاعتراض على توقيف مجموعة من الموظفين المخالفين في مختلف أمانات السجل العقاري في عاليه وبعبدا والزلقا، وقطع الطريق على تحقيقات مماثلة في مختلف المحافظات، حيث أظهرت التحقيقات التي أجرتها شعبة المعلومات حجم الفساد المستشري والمحسوبيات، إذ استحالت تلك الدوائر العامة جزرًا ومحميات تعج بالسماسرة وتستوجب "الوسايط" على أنواعها لإنجاز أبسط المعاملات البديهية كالاستحصال على إفادة عقارية مثلا.!!!
بالعودة إلى صلب الموضوع فقد أجرت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي بإشراف النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان بشخص القاضي سامر ليشع تحقيقات محترفة ودقيقة تم على أثرها توقيف العشرات من الموظفين بالدليل القاطع.
هذا الأمر استدعى ردات فعل من الموظفين في أمانات المناطق الذين تعمدوا شل العمل في تلك الدوائر الحيوية للضغط على المعنيين من أجل إطلاق سراح زملائهم الموقوفين، ومخافة أن يصلهم قطار التوقيفات فغامروا بإقفال هذا المرفق الحيوي الذي يمس مباشرة حياة الناس اليومية مع الضرر الموصول الذي لحق بسائر القطاعات المرتبطة به مثل المهندسين والمحامين والمحاكم إذ توقفت معظم المعاملات والدعاوى فقط لعدم القدرة على ضم إفادة عقارية.!!
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن الطامة الكبرى تمثلت في حجم الأموال الفائتة على هذا القطاع من الرسوم المدفوعة في المعاملات العقارية والتي تقدر بمئات المليارات التي تحتاجها الخزينة الخاوية والكفيلة بتأمين رواتب القطاع العام بأكمله.
اليوم وبعد هذا العصيان الذي ناهز شهره السابع كما أسلفنا تكرمت بعض الأمانات بإعلان فتح أبوابها لنهار واحد في الأسبوع وبشكل مشروط فقط لدفع الإيصالات المتأخرة و لتسليم سندات التمليك المنجزة، وفي هذا استهتار واستخفاف غير مسبوقين بمصالح الناس وحياتهم.
والسؤال المطروح هو من أين أتت وتأتي هذه الثلة من الموظفين بهذا الفائض من القوة والتأثير لإقفال وشل مرفق حيوي وهام بهذه الأهمية بحيث لم يقدر عليها أحد في هذه الجمهورية بدءا من رئاسة الوزراء مرورا بوزارة المالية وصولا إلى المدير العام؟؟
وإذا كان أولئك الموظفون المتمردون وتحت أي ستار كان سواء وضع الرواتب المدنية أم هربا من المساءلة أم غيره، فلماذا لم يقدموا استقالاتهم ويسعون للبحث عن عمل يدر عليهم أموالا طائلة؟؟ بل لماذا لم تعلن الإدارة المختصة اعتبارهم مستقيلين أو مفصولين من العمل وفق ما ينص عليه قانون الموظفين ؟!
ولماذا لم تعمد المراجع المعنية إلى تدريب موظفين بدلاء عن الموقوفين أو الممتنعين لتسيير المرفق الذي أصبح الضرر الناتج عن تعطيله مجحفا وغير قابل للتحمل؟؟!
ولكن يبدو وككل شيء في هذا البلد أنَّ المافيا واحدة وممتدة من فوق إلى تحت والشبكة مرتبطة ببعضها البعض على مختلف المستويات. أخيرا لا بد من القول بأنه لا مناص من اتخاذ موقف أقله حفاظا على ماء الوجه تجاه هذا الشعب الممعن في إذلاله، ولضمان عودة الانتظام إلى الإدارة العامة ونبذ الحلول الترقيعية التي لا تنفك تزيد الطين بلة.

