ربى اليوسف - خاصّ الأفضل نيوز
في البدء كانت الكلمة، والكلمة كانت حياةً ونورًا.. وهكذا جاءت مريم لتؤمن أن الكلمة قادرة على أن تبني هيكلًا للفكر، وأن الكتاب إنجيلٌ آخر يضيء على المعرفة. في زمن نفتقر فيه إلى مبادرات تحفظ للثقافة مقامها، أطلّت "كتابخانة" كمرقدٍ دافئ للقراءة، وكملاذٍ يجمع ما بين الروح والفكر.
من بلاد فارس، أرض الشعراء والحكماء، تنحدر جذور مريم ميرزاده، هناك حيث قال حافظ الشيرازي: "لم أر أجمل من صدى كلمات الحب/ تبقى كذكرى على قبة الفلك الدوارة هذه".
بهذا الشغف، وُلدت "كتابخانة". فكرةٌ مؤجلة منذ أكثر من عامين بفعل الحرب والأزمة الاقتصادية، حتى إذا ما تبدّلت الظروف وتهيأت الأجواء، خرج الحلم إلى الضوء.
أرادت مريم أن يكون المشروع حيث المجتمع أحوج إليه: في الضاحية، تلك التي نفضت غبار الدمار وبدأت نهضة جديدة. فأحبّت أن تكون مساهمةً في هذه النهضة بمقهى ثقافي يفتح أبواب الأمل.
تختلف "كتابخانة" عن باقي المقاهي في كونها مكتبة ومقهى معًا، إذ ينقسم فضاؤها بين رفوف الكتب ومقاعد الجلسات، وتحمل في طياتها خصائص المراكز الثقافية والمقاهي: بيع الكتب، تنظيم الأنشطة والفعاليات، إتاحة مساحة للطلاب والجامعيين، وتقديم مشروبات مميزة تضفي على المكان نكهة خاصة.
غاية المشروع أن يحرّك الحياة الثقافية في المجتمع، ومنها في لبنان كله. ولأجل ذلك، تمّ تنويع موضوعات الكتب وعناوينها لتلائم مختلف الأذواق. لم تكن الطريق سهلة، فقد كانت الصعوبات مادية بالدرجة الأولى، لكن تعاون دور النشر والداعمين للبرامج الثقافية سرّع في تحقيق الهدف.
باب "كتابخانة" مفتوح أمام أي نشاط ثقافي أو فكري أو معرفي، فالفعاليات الثقافية ليست إضافةً عابرة، بل عمودًا من أعمدة المشروع. أما الجدوى التجارية، فهي آخر ما يشغل مريم؛ إذ تدرك أن المشاريع الثقافية قد لا تكون مثالية على هذا الصعيد، لكنها تؤمن أن "ما كان لله ينمو"، وأن المعرفة طريقٌ إلى الرضا الداخلي والقرب من الله.
في زمن التقدّم الرقمي، ترى مريم أن الإنسان ازداد اغترابًا رغم كل الخدمات، ولعلّ "كتابخانة" تكون ملاذًا يعيد الإنسان إلى ذاته بعيدًا عن فضاءات الاصطناع. وبعد كل هذه الأمواج والعواصف، تعترف بأنها قد تختار رواية لفيكتور هوغو أو توفيق الحكيم لترافقها مع استكان شاي، تاركةً فنجان القهوة لصديقتها ربى التي تعرف عشقها له كما الكتب.
وهكذا تبقى كتابخانة أسطورة حيّة في قلب المدينة، مكانًا تتلاقى فيه الأرواح مع الفكر والمعرفة. هنا، تتردد صدى كلمات فيكتور هوغو وهو يروي صمود الإنسان، وتهمس صفحات توفيق الحكيم بأسرار الحكمة، فيما تلمع رؤى ألبير كامو وخوسيه ساراماغو على رفوف الكتب، لتذكرنا بأن الكتاب ليس مجرد حبر على ورق، بل مفتاح لكل عوالم الفكر والحقيقة.
في هذا المكان، كل كتاب هو نجمة وكل رفّ بوابة، وكل فكرة تولد من بين السطور لتحلق بالإنسان نحو أفق أعلى، حيث يتلاقى الماضي بالحاضر، والتاريخ بالخيال، لتغدو المعرفة تجربة روحية، تتجاوز الزمان والمكان. هنا تتشكل الأساطير، ليس من الخيال وحده، بل من قوة الكلمة وفكر أعظم العقول البشرية.
"كتابخانة" إذن ليست مجرد مشروع ثقافي، بل صرحٌ خالد للفكر، وعالمٌ متسع لكل من يبحث عن الحقيقة، لكل من يسعى إلى أن يسمو بروحه، ولمن يريد أن يلمس في الكتب نورًا يضيء قلبه وعقله، كما لو كان كل قارئ فيها جزءًا من أسطورة أكبر لا تنتهي.

alafdal-news
