نبيه البرجي - خاص الأفضل نيوز
مثلما تمّ تركيب اتفاق أوسلو، بالصيغة الفضفاضة، لاحتواء انتفاضة الحجارة، وقد مضت بعيداً في تعرية الدولة العبرية أمام العالم ، لتدفن القضية تحت الثلوج وتحت الورود الاسكندنافية، جرى تركيب خطة ترامب، بالصيغة الملتبسة لاحتواء "انتفاضة الأرواح"، كما دعاها المفكر الإسرائيلي يوفال نوح حراري، حتى أن ميريام ادلسون، أرملة الملياردير النيويوركي شلدون ادلسون، اعتبرت أن التظاهرات التي تحدث بمثابة دعوة للعودة الى قرون الاضطهاد، "وهذا ما يستدعي أن نغرز عيوننا في عيون أولئك القادة".
إذاً، لا بد من وقف السخط العالمي "وقد لامس أسوار أورشليم"، كما قال المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف، وبعدما بات جلياً أن العديد من دول العالم قد تفاعلت مع المبادرة السعودية، الفرنسية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، حتى أن هناك أوساطاً ديبلوماسية، وإعلامية، بريطانية تشير الى أنه بلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لم يكن ليأخذ البتة بمواقف الدول العربية بسسب انحياز إدارته المطلق لإسرائيل، تلقى معلومات بأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على وشك أن يتخذ مواقف اعتراضية عاصفة حيال التبني الأميركي للسياسات الدموية التي ينتهجها بنيامين نتنياهو في غزة وفي المنطقة العربية.
من هنا كان رأي مستشاري وزارة الخارجية بالقيام بـ"عملية ديبلوماسية وقائية"، تجنباً لأي تطورات قد تؤثر في المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة، لتضيف المعلومات البريطانية أن ادارة ترامب فوجئت بـ"الاتفاق النووي" بين الرياض وإسلام آباد، ما اعتبره بعض أركان الإدارة خروجاً عن الخط التقليدي، أو الخط التاريخي، للعلاقات مع كل من السعودية وباكستان، ما يمكن أن يؤدي الى مسارات أكثر خطورة في المنطقة.
تزامن ذلك مع رفض الكونغرس، وبتدخل من اللوبي اليهودي، تزويد تركيا، العضو في حلف الأطلسي، بمحركات F110 اللازمة للطائرات التركية "كان" KAAN، وهي الطائرات الشبحية من الجيل الخامس، والتي يمكن أن تحدث تغييراً دراماتيكياً في ميزان القوى مع إسرائيل، الأمر الذي يرى فيه أركان الائتلاف خطراً على الأمن الاستراتيجي لبلدهم، حتى أن الجنرال مايكل كوريلا، القائد السابق للقيادة المركزية، والمعروف بعلاقاته الوثيقة بعتاة اليمين في الدولة العبرية، يعتبر أن صناعة أي دولة في المنطقة طائرة من ذلك النوع يعني أن واقعاً عسكرياً جديداً قد نشأ في ييئة تتصف بالفائض الإيديولوجي كما بالفائض التاريخي.
على الجانب الفلسطيني، أستاذ في جامعة بيرزيت اتصل بنا قائلاً "إن تجاربنا مع الأميركيين، ومع الإسرائيليين، تجعل من الرهان على الذهاب بالخطة الى تنفيذ البند العشرين منها، بإقامة دولة فلسطينية، ودون أي إشارة واضحة الى أنها ستقوم على أرض فلسطين. أقل بكثير من الصفر . كما يفترض أن نوضح هنا أن المذابح في غزة لم تكن تقصد مقاتلي حركة "حماس"، وإنما الفلسطينيين جميعاً بشيبهم وشبابهم".
أضاف "إننا ندرك جيداً مدى المراوغة الإسرائيلية، وطريقة اللعب على الوقت، أحياناً كثيرة بدمنا، وببيوتنا المهدمة. وإذا كان ترامب جاداً، ونحن نشك في ذلك، فالإسرائيليون الذين ماطلوا، على مدى 3 عقود أو أكثر، دون تنفيذ اتفاق أوسلو الذي لم يعد له من وجود، بعد إقامة ذلك العدد الهائل من المستوطنات المدججة بالسلاح، باستطاعتهم استهلاك ولاية الرئيس الأميركي، وحتى الدوران حوله الى أن يصاب بالدوار وينتهي في الظل، دون أن نعرف الى أين ننتهي نحن".
على كل، لا موقف قاطعاً لدونالد ترامب حيال الوضع السياسي للفلسطينيين. الخشية من حصول تحوّل في الوضع العربي، بعد التحوّل الذي حدث في الوضع الدولي، هي التي جعلته يتراجع، أو يؤجل تنفيذ وعوده الى نتنياهو بتوسيع مساحة اسرائيل، وإلحاق الضفة بها.
ولكن، هل من الطبيعي أن تبقى الأمور في إيقاعها الراهن؟ ترامب شدّد على أن تكون خطة غزة مدخلاً الى السلام الأبدي في الشرق الأوسط، ولكن أي نوع من السلام مع دولة تقوم على مفهوم إيديولوجي، غيبي، يذهب بلعبة الدم الى حدودها القصوى، وبعدما امتلأت الذاكرة العربية بالصور المروعة للمدن التي تحولت الى أنقاض، وللأطفال الذين تحولوا الى أشلاء وتلتهمها الكلاب الهائمة على وجهها.
في الذاكرة الفلسطينية، وهي ذاكرة النار، القاذفات الأميركية التي تصنع، بالقنابل الأميركية الهائلة، الموت والدمار لا يمكن أن يكون هدفها الانتقام من فصيل بعينه، أو من فئة بعينها، وإنما بلوغ مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يفرضه المسار اللاهوتي للدولة العبرية. المشروع الذي يتبناه الثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي، والذي لا يمكن إسقاطه عبر نص طوباوي يستحيل تطبيق سائر بنوده على الأرض.
غزة التي أبعد بكثير من أن تكون "هيروشيما القرن" لايمكن إلا أن تكون بوابة الدم الى سلام يقوم على الاختلال المروع في الموازين، وعلى المستويات كافة. ولكن ما حيلتنا ، وحالتنا كعرب، حال. لا أحد في الحلبة سوى أميركا التي لا ترى سوى إسرائيل، ابنتها الكبرى، والوحيدة. ولكن متى كان للتاريخ في هذه المنطقة أن يجره وحيد القرن؟
لم يسقط من العقل التوراتي تحويل لبنان الى ضاحية، أو الى قهرمانة، للهيكل، كما لم يسقط منه هاجس تقطيع أوصال "ذئاب الشمال"، أي سوريا التي كانت، وتبقى، القلب النابض للعرب. ولكن حين نجد الطائرات المخصصة للتزود بالوقود في الجو، على أرض المنطقة، لا بد من أن تتلاحق الأسئلة الساخنة حول ما إذا كنا أمام ليلة أخرى من ليالي النار. ولماذا. عودوا الى نظرية هنري كيسنجر حول التلازم بين الدبابة والحقيبة. في ظل الدخان الكثيف تصل الديبلوماسية، ديبلوماسية الأقوياء، الى مبتغاها...

alafdal-news
