ميرنا صابر - خاصّ الأفضل نيوز
في زمنٍ صار فيه الهاتف الذكي نافذةً أساسيّة لحياة الأطفال والمراهقين، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي من مجرّد مساحة للترفيه والتعبير إلى ساحة خطيرة يتربّص فيها الاستغلال والابتزاز. في لبنان، ومع غياب الرقابة الفاعلة، تكشّفت خلال الأشهر الماضيّة سلسلة جرائم عبر تطبيق "تيك توك" طالت قاصرين وقعوا ضحيّة شبكات إغراء واستدراج، آخرها قضية التيك توكر المعروف باسم "رسمي" الذي أوقفته المديرية العامة لأمن الدولة بعد ورود معلومات عن تورطه بابتزاز فتيات عبر المنصة مستغلاً شهرته وحضوره الافتراضي.
ما جرى لم يكن حادثة معزولة، بل حلقة جديدة من ظاهرة آخذة في التمدد. تقارير أمنيّة أشارت إلى أنّ مجموعات منظمة عملت على استدراج قاصرين من خلال وعود بالشهرة والمال، لتتحوّل هذه الوعود سريعاً إلى تهديدات ومطالب غير أخلاقيّة. في بعض الحالات وُثّقت مقاطع مصورة استخدمت كسلاح للابتزاز، ما شكّل صدمة للرأي العام اللبناني الذي وجد نفسه أمام جريمة حديثة في الشكل لكنها قديمة في مضمونها: استغلال الضعفاء وإخضاعهم بالخوف.
قضية "رسمي" تحديداً هزّت الشارع لما تحمله من دلالات. فالرجل الذي حصد آلاف المتابعين ونجح في التسلل إلى يوميات الناس بمحتوى ترفيهي، وُجد في قلب تحقيق جنائي يتصل بأفعال منافية للحشمة. التحقيقات كشفت مقاطع مسجّلة في هاتفه وتبادلات رقميّة مشبوهة، وأُحيل الملف إلى مكتب مكافحة الإتجار بالبشر وحماية الآداب بإشراف القضاء المختص. وعلى الرغم من تضارب الأنباء بين إخلاء سبيله المؤقت ومتابعة التحقيقات، إلا أنّ القضية فتحت الباب واسعاً أمام سؤال أكبر: من المسؤول؟
المتورطون المباشرون هم بالتأكيد في صلب الجريمة، لكن السؤال يتجاوز الأشخاص إلى المنصات نفسها التي تشكّل فضاءً خصباً لمثل هذه الممارسات. تيك توك، التي تُسوّق نفسها كمنصة إبداعيّة للشباب، تواجه انتقادات حادة لضعف أنظمة الحماية الرقميّة ولتقصيرها في التدخل السريع عند ظهور محتويات مشبوهة. المسؤولية أيضاً تقع على الدولة اللبنانيّة وأجهزتها القضائية والأمنية التي تعاني من بطء في ملاحقة الجرائم الرقميّة بسبب ضعف الإمكانات التشريعيّة والتقنيّة. أمّا المجتمع والأهل فجزء أساسي من المعادلة، إذ إنّ غياب الحوار مع الأبناء وعدم متابعة نشاطهم الإلكتروني يفتح ثغرات خطيرة تجعلهم أكثر عرضة للاستغلال .
ما يجعل هذه الجرائم أكثر تفشياً في لبنان هو واقع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. شباب يبحثون عن بدائل للوظائف المفقودة يجدون في "الشهرة السريعة" فرصة للهروب من اليأس، فيما يستغل المجرمون هذا الهوس بالنجوميّة الرقميّة لاصطياد ضحاياهم. الأزمة هنا مزدوجة: فقر يضاعف الحاجة، وجهل رقمي يضاعف الخطر.
الحل لا يكمن فقط في توقيف المتورطين أو إغلاق حساباتهم، بل في بناء ثقافة وقائيّة تبدأ من البيت ولا تنتهي عند حدود القانون. المطلوب أن يفتح الأهل أبواب الحوار مع أولادهم، أن يشرحوا لهم ببساطة أنّ وراء الشاشات قد يختبئ ذئاب يتقمصون ملامح الأصدقاء. المدارس مدعوة هي الأخرى إلى إدراج التوعيّة الرقميّة ضمن مناهجها، فيما على السلطات أن تسرّع في إقرار تشريعات حديثة تجرّم الاستغلال الإلكتروني وتؤمن أدوات فعّالة للتبليغ والحماية.
قضية "رسمي" ليست مجرد خبر عابر عن توقيف تيك توكر مشهور. إنها جرس إنذار ينبه إلى أنّ أطفالنا يواجهون خطراً حقيقياً يتسلل إلى غرف نومهم عبر شاشة صغيرة.
في عصر التكنولوجيا، حيث الحدود بين الواقع والافتراض تذوب، يصبح واجباً على الجميع ــ الأهل، المجتمع، الدولة، والمنصات الرقمية ــ أن يتحملوا مسؤولياتهم لحماية جيل كامل من الانكسار أمام سطوة الجريمة الرقمية.

alafdal-news
