نبيه البرجي - خاصّ الأفضل نيوز
"لن تبقى إسرائيل إلى الأبد مثلما هي الآن وحيثما هي الآن" ، هذا هو رأي الفيلسوفة الفرنسية صوفي بيسي , بالقراءة المتعددة الأبعاد للمسار الفلسفي , والتاريخي , للشرق الأوسط , ناهيك عن دخولها في "التركيب الجيولوجي" للعقل الغربي" بنظرته القاصرة إلى منطقة كان لها دور مؤثر في ولادة عصر الأنوار في القارة العجوز .
ذلك العقل الذي حاول دائماً الهروب من "صراخ القبور في أرجاء الدنيا"، هذا ما يتجلى في أفلام الغرب الأميركي، وحيث تقديم صورة مغايرة كلياً لما حدث في تلك الفترة , حيث كان القتل المنهجي للهنود الحمر , وهم في أكواخ القش , ليظهر على ذلك النحو الصارخ "اضمحلال الروح البشرية داخل الضجيج الذي أحدثته الأزمنة الحديثة" .
بيسي تسأل ما إذا كان الغرب الذي تعاطف إلى حد ما مع "التراجيديا الفلسطينية" في غزة , يمكن أن يعترف بالفلسطينيين ككائنات بشرية، بعدما كان الفيلسوف الفرنسي اليهودي برنار هنري ليفي قد رفض كلياً أن يكون للفلسطينيين موطئ قدم في "أرض الميعاد" كونهم "خارج الكتب المقدسة" , ودون أي اعتبار لديناميات القرن التي سقطت فيها الجدران بين الأسواق . أليس من الأولى سقوط الجدران بين الثقافات ؟
وكان الفيلسوف البريطاني برنارد راسل قد قال "أخشى ألاّ يتسع هذا العالم إلا للبرابرة" . غالباً البرابرة الذين يقيمون في النصف الغربي من الكرة الأرضية , سائلاً عن الجهة التي فجرت الحرب العالمية الأولى , ثم الحرب العالمية الثانية التي انتهت بقنبلة هيروشيما كدليل على أن الكائن البشري "قد أعلن العصيان على السماء لكي ينقل جهنم إلى الأرض" .
راسل يقول، " لقد خسرنا عبقرية الأمكنة" , مبدياً خشيته من "السقوط الأخير للإنسان عندما تسقط القضايا الكبرى التي تتعلق بمستقبل البشرية" .
لكن صحيفة "الباييس" الإسبانية تعترف بأن فلسطين بدأت تخترق اللاوعي الغربي مقابل الهبوط التدريجي لإسرائيل .
بيسي تلاحظ أن غالبية اليهود لم تكن تكترث بذلك "الشيء الماورائي" الذي يدعى "أرض الميعاد" , وهذا ما اختزله ألبرت آينشتاين حين رفض أن يكون رئيساً للدولة اليهودية لأنه "كائن كوني" لا الكائن الذي "يمتطي ظهر السلحفاة"، كما الكثير من اليهود كان يعتبر أن ثقافة الغيتو انعكاس ميكانيكي لثقافة القبور . من هنا تساؤل الفيلسوف اليهودي الأميركي نورمان فلنكشتاين ما إذا كان بنيامين نتياهو يقود دولة أم مقبرة ...
صاحبة كتاب "الحضارة اليهودية المسيحية : تشريح خدعة" رأت أن تيودور هرتزل لم يكن يوماً بـ"الحالة التوراتية" وإنما "الحالة المكيافيلية" التي تبين , ومن خلال الاتصالات التي قام بها كما لو أنه يريد إقامة "دولة للإيجار" , ومن أجل خدمة المصالح الغربية في الشرق الأوسط , لا سيما البريطانية حين كانت هذه المنطقة تشكل الطريق إلى الهند التي طالما وصفت بـ"درة التاج البريطاني" .
وهي ترى أن دعم الدول الأوروبية لإسرائيل بمثابة "غسل الأيدي (الأيدي القذرة) من قرون من الاضهاد لليهود , وكذلك للابتعاد , أقصى ما يمكن , عن رائحة الجثث وهي تحترق في معسكر أوشويتز" . لكن الانفجار الذي أحدثته بيسي هو اعتبار أدولف هتلر نتاج الحضارة الأوروبية التي كانت ترى في الشعوب الأخرى "وقوداً رائعاً لدخان المداخن" !
في رأي الفيلسوفة الفرنسية , وتأثراً بالضجيج الغاضب الذي أحدثته سياسات الإبادة في غزة , أن إسرائيل ظهرت في أكثر الصور بشاعة لتثبت أنها دولة طارئة على الشرق الأوسط , ولا علاقة لها بالمسار التاريخي للمنطقة , وحيث ثقافة القلب تضطلع بدور أساسي في إنتاج الشخصية الشرق أوسطية . هنا الدولة التي وجدت , بذلك التقاطع بين المنحى البراغماتي للحياة الغربية والمنحى اللاهوتي للحياة الإسرائيلية (لماذا يفترض أن يظهر يهوه وقد تلطخ وجهه بالدم ؟) .
الإجابة عند الحاخام اسحق يوسف الذي يرى أن الأوان قد آن "لكي لا تبقى رؤوسنا ضائعة بين رؤوس الآخرين" , كدليل على رفض التفاعل مع الآخر . هنا النقطة القاتلة في الدولة العبرية التي لا تستطيع التفاعل مع الجماعات الموجودة في المنطقة من آلاف السنين والتي باتت حتى جزءاً من هوائها .
بيسي تعتبر أن مصطلح "الحضارة اليهومسيحية" خدعة كبرى (وحتى خدعة للذات) , لتشير إلى أن الغرب عادة يحاول تضليل التاريخ بطريقة أو بأخرى .
وفي هذا السياق ولدت إسرائيل . وهكذا يتم الهروب من المحرقة (الهولوكوست) التي استخدمتها الحركة الصهيونية من أجل إقامة الدولة اليهودية . ولكن ألم يعتبر المؤرخ الأميركي أرنو ج ماي أنه مثلما المحرقة اليهودية أنتجت الدولة اليهودية لا بد للمحرقة الفلسطينية أن تنتج حتما الدولة الفلسطينية , داعياً قادة إسرائيل إلى الاعتراف الفوري بهذه الدولة لتفادي ظهورها بـ"حد السيف" .
الخدعة تتوخى انتزاع الديانة الإسلامية من ثالوث التوحيد كديانة من الصناعة البشرية . وهذا ما يتبناه دونالد ترامب الذي لاحظنا مدى غضبه بسبب قصف كنيسة في غزة في حين دمرت غالبية مساجد القطاع , وكذلك تهديده بالتدخل العسكري لإنقاذ مسيحيي نيجيريا , فليسأل سفيره مايك هاكابي عن كيفية تعامل اليمين الإسرائيلي مع من تبقى من المسيحيين في الأرض المقدسة , وحتى مع الحجاج الأوروبيين الذين يقصدون المقدسات المسيحية .
ألم يسال الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي : "أين السيد المسيح في الثقافة اليهودية ؟" , سواء كانت الثقافة اللاهوتية أم الثقافة التاريخية ؟ لا وجود له على الإطلاق ...

alafdal-news
