ميشال نصر - خاصّ الأفضل نيوز
في ظل الانهيار المالي الذي يواصل خنق اللبنانيين منذ أربعة أعوام، تعود الدولة اليوم إلى واحد من أكثر الملفات حساسية: محاولة ضبط اقتصاد "الكاش"، الذي تمدّد على نحو واسع حتى ابتلع جزءاً كبيراً من الحركة الاقتصادية اليومية.
فالإجراءات الجديدة، من التضييق على السحوبات النقدية إلى تشديد المراقبة على حجم التداول الورقي، تُطرح اليوم بوصفها خطوة ضرورية لإعادة الانتظام إلى النظام المالي ومكافحة التهرب الضريبي وتبييض الأموال.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تؤدي هذه "المطاردة" إلى إنقاذ ما تبقّى من النظام المالي، أم أنّها ستضيف ارتباكاً إضافياً إلى اقتصاد هشّ؟ وهل يمهّد هذا الانقضاض لإنقاذ ما تبقّى من النظام المالي، أم أنه قد يشعل شرارة فوضى جديدة في اقتصاد هش؟
من الناحية النظرية، وفقا للخبراء، لا يمكن لأي دولة أن تستعيد الثقة بسوقها وبمصارفها من دون الانتقال التدريجي إلى اقتصاد أكثر شفافية. فحجم التداول النقدي في لبنان بلغ مستويات غير طبيعية، حتى باتت معظم العمليات التجارية، من شراء العقارات والسيارات وصولاً إلى الدفع اليومي، تتم خارج النظام المصرفي، ما أفقد الدولة قدرة الرقابة وعطّل أدوات السياسة النقدية.
واقع فتح الباب واسعاً أمام التهرب الضريبي، وحوّل "الكاش" إلى بيئة مثالية لتبييض الأموال، مانحا قوى السوق الموازية سلطة غير مسبوقة.
لكن على الضفة الأخرى، تُطرح إشكالية أكثر عمقاً: كيف يمكن مطالبة اللبنانيين بالعودة إلى النظام المصرفي في وقت فقدوا فيه ثقتهم بالكامل بالمصارف وبالدولة التي عجزت عن حماية ودائعهم؟ وكيف يمكن للدولة نفسها أن تطلب منهم الالتزام بالتحويلات و"الفواتير الإلكترونية"، فيما القطاع المصرفي لا يزال عاجزاً عن توفير خدمات طبيعية أو استعادة جزء من خسائره أو حتى تقديم رؤية واضحة للمرحلة المقبلة؟
إضافةً إلى كل ما تقدم، فإنّ أي تشديد على "الكاش" من دون خطة اقتصادية شاملة قد يؤدي إلى شلّ حركة السوق، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على السيولة الفورية: التجزئة، النقل، الخدمات، البضائع السريعة التداول، ما قد يضاعف المخاوف من نشوء سوق سوداء جديدة، تنتقل فيها حركة النقد خارج الرقابة أكثر فأكثر، بدل أن تخضع للضبط.
من هنا تبدو "مطاردة الكاش" خطوة تقنية صحيحة من حيث المبدأ، لكنها ناقصة وخطيرة إذا لم تُرفق بمسار إصلاح بنيوي يشمل: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، توحيد سعر الصرف فعلياً وليس شكلياً، إصلاح النظام الضريبي، تعزيز الدفع الرقمي، وإعادة بناء الثقة عبر مسار جدي وواضح للتعامل مع الودائع.
أما الذهاب إلى هذه الإجراءات بشكل منفصل، فسيجعلها تُقرأ كأنها مجرد محاولة جديدة لنقل العبء إلى الناس بدل إصلاح أصل المشكلة.
فالانقضاض على "الكاش" قد يبدو خطوة إصلاحية على الورق، لكنه في الواقع قد يكون سيفًا ذا حدين:
إما أن يصبح جزءًا من خطة إصلاح شاملة تُعيد الانتظام المالي، وإما أن يتحوّل إلى شرارة فوضى مالية جديدة إذا طُبق في غياب الثقة، ووسط اقتصاد يعيش على حافة الانكماش.
في الخلاصة، مطاردة "الكاش" قد تكون فرصة لإنقاذ النظام المالي، لكنها قد تتحوّل أيضاً إلى قنبلة إرباك ما لم تُدرج ضمن رؤية كاملة. فالنجاح هنا ليس في محاصرة النقود الورقية، بل في إعادة بناء الثقة المهدومة بين المواطن والدولة والمصارف.
ما يحتاجه لبنان ليس حربًا على "الكاش"، بل مصالحة مع النظام المالي نفسه أولًا، وكل ما دون ذلك، سيبقى "الكاش" أكبر من كل محاولات مطاردته.

alafdal-news
