طارق ترشيشي -خاصّ الأفضل نيوز
كمٌّ هائل من التهويل بالويل والثبور وعظائم الأمور يتعرض له لبنان عموما وحزب الله خصوصا في هذه المرحلة، بما يدفع الجميع في الداخل والخارج إلى اليقين بأن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تقفان على أهبة شن حرب كاسحة ماسحة للقضاء على حزب الله والمقاومة في لبنان.
لكن رغم كل التصريحات والمواقف النارية فإن الواقع لا يشير إلى وجود معطيات جدية تدفع واشنطن وإسرائيل إلى شن مثل هذه الحرب، وإن كانتا تعتقدان أنهما وضعتا يديهما على سوريا، وأن هذا البلد صار نقطة ارتكاز كبرى لمشاريعهما في المنطقة تحت عنوان "إقامة الشرق الأوسط الجديد"، وهما تعتقدان أيضا أنه بعد سقوط النظام السابق تفكك "محور المقاومة" وضعف إلى أقصى الحدود، سواء في حرب إسرائيل على حزب الله في العام 2024، والمستمرة إلى الآن أو بالحرب في غزة، والتي تعتقدان أن إنهاءها جاء لمصلحتهما وقوض حركة "حماس" وأخواتها، أو في قصفهما لليمن، وكذلك حرب الـ 12 يومًا والتي شنتاها على إيران وقالتا إنمها دمرتا فيها المنشآت النووية الإيرانية ومواقع الأسلحة الاستراتيجية.
لكن ديبلوماسيين محايدين يقولون لموقع "الأفضل نيوز" إن الحرب التي يهول بها لن تحصل للأسباب الآتية:
ـ أولا، إن الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تجعل من لبنان قاعدة استراتيجية متقدمة لها في المنطقة، بدليل السفارة الكبرى التي أقامتها فيه وهي أكبر سفارة لها في الشرق الأوسط ،وبالتالي لا يمكنها أن تذهب إلى حد التورط في حرب جديدة أو تحمل تبعات تدمير لبنان أو إغراقه في حرب أهلية، لأن ذلك سيهدم كل مصالحها فيه؛ فهي تريد تقويض حزب الله وإنهاء فعاليته العسكرية والسياسية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أنها لا تستطيع أن تصل في هذه الحرب ضد الحزب إلى حدود تهدد بدمار لبنان أو إغراقه في حروب داخلية، لأن مصالحها في هذه الحال ستصبح هباء منثورا. لذلك هي تدير هذه الأيام حملة ضغوط وتهويل على السلطة اللبنانية وعلى حزب الله بغية إحكام قبضتها الكاملة على لبنان، ولا ضير لديها إذا كان التهديد الإسرائيلي بالحرب يساعدها في هذا الاتجاه.
ـ ثانيا، إن إسرائيل نفسها التي لم تلتزم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أكمل سنته الأولى هذه الأيام، وتستمر في حربها الاستنزافية ضد حزب الله، لا ترى ضمنا أنها في حاجة إلى شن حرب واسعة عليه يمكن أن تكبدها خسائر فادحة، من خلال استمرارها في الاستهدافات الجوية للحزب وقياداته ومواقعه العسكرية والمدنية من حين إلى آخر، ولذلك ستسمر في هذا الاستنزاف الذي تعتقد أنه سيؤدي شيئا فشيئا إلى إضعاف الحزب أكثر فأكثر ليصل إلى التخلي عن سلاحه، وخصوصا السلاح الثقيل والاستراتيجي منه تحت وطأة ضغوط داخلية.
ـ ثالثا، إن حزب الله يدرك أن الحرب التي يمكن أن تشنها إسرائيل عليه لن يكون التصدي لها سهلا، لذلك يمارس سياسة الصبر لتجنبها، تاركا المجال للسلطة كي توجد الحلول بالوسائل الديبلوماسية، هو قادر على المواجهة لكن ما يمكن أن تخلفه هذه الحرب من دمار سيزيد من الضيق الإضافي، خصوصا على البيئة الحاضنة في الوقت الذي لم تتم إعادة إعمار ما هدمته الحرب والتي لم تتوقف بعد، وخصوصا في ظل الحصار المالي والاقتصادي والسياسي الذي يتعرض له.
لذلك يجد الحزب في التزام الصبر الاستراتيجي الأسلوب الأمثل لتخطي المرحلة إلى مستقبل يشهد تطورات تغير المسارات التي تتحكم بالمنطقة، ويمكن أن تؤدي إلى حصول متغيرات دولية تصرف الاهتمامات الأميركية وتشغلها عن المنطقة.
ـ رابعا، إن السلطة اللبنانية وحتى الشعب اللبناني عموما لا يمكنهما تحمل تبعات حرب جديدة، لأن نتائجها ستكون كارثية، وبالتالي فإن السلطة كان ولا يزال عليها بذل الجهود الحثيثة التي تعهدت بها لدفع العواصم الكبرى التي دعمت قيامها أولاً إلى منع حصول هذه الحرب. وثانيا لإيجاد حل ديبلوماسي يؤمن خروجا قريبا للبنان من الأزمات التي تعصف به على كل المستويات إلى آفاق الانفراج.
وفي أي حال، فإن التهويل الإسرائيلي وقرع طبول الحرب سيستمر، لكن هذه الحرب ستبقى مستبعدة في انتظار ما سترسي عليه الأوضاع في المنطقة من لبنان إلى سوريا إلى العراق إلى الضفة الغربية وغزة إلى اليمن وصولا إلى إيران. وفيما البعض يربط المستقبل بما سيؤول إليه التفاوض الذي يقال إنه يدور عبر وسطاء دوليين كبار بين أميركا وإيران، فإن الهاجس الذي يقض مضاجع لبنان وكل دول المنطقة كان ويبقى مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يغير خرائط المنطقة؛ إذ إن الدول المستهدفة فيه هي دول المشرق العربي عموما، صحيح أنه يقتطع أجزاء من هذه الدول ويرسم "حدودك يا اسرائيل من الفرات إلى النيل"، لكن الوصول إليه قد يكون من المستحيل، لأن هذه الدول في النهاية لا يمكن في لحظة ما أن تقبل الوقوع كليا أو جزئيا تحت قبضة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائبل.

alafdal-news
