ترجمة - الأفضل نيوز
تسلّط كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة في الهند الضوء على أحد أكثر دروس الطبيعة قسوة، فحين يختل توازن النظام البيئي، يكون الإنسان هو من يدفع الثمن أولا.
ويكشف تقرير موسع لصحيفة واشنطن بوست عن حجم الكارثة البيئية والصحية المدمّرة التي تحدث في الهند، إذ أدّى الانقراض شبه التام للنسور التي كانت تشكّل خط الدفاع الأول في منظومة التطهير الطبيعية عبر شبه القارة، إلى تفجر سلسلة من التداعيات المروّعة من انتشار الجيف وتكاثر الكلاب الضالة، وارتفاع في حالات الإصابة بداء الكَلَب (مرض السُعار) ومعدلات وفيات البشر، وإلى خسائر اقتصادية فادحة سنويا.
ويؤكد التقرير أن هذا الانهيار لم يدمّر توازن الطبيعة فحسب، بل أعاد تشكيل المشهد الصحي والاجتماعي في الهند، مشددا على حقيقة باتت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى وهي أن صحة البشر مرتبطة بصحة المنظومات البيئية ارتباطا وثيقا لا فكاك منه.
فحتى أوائل تسعينيات القرن الماضي، لعبت النسور خصوصا ذات المنقار الطويل، والرفيعة المنقار، والنسر الأبيض الظهر دورا أساسيا في التخلص السريع والفعال من جثث الحيوانات، وعلى رأسها الماشية، بالتهامها مما حال دون تراكم الجيف المتعفنة التي كان من الممكن أن تكون بؤرا للأمراض.
لكن بين عامَي 1992 و2007 انهارت أعداد النسور بشكل حاد، من نحو 4 ملايين إلى قرابة 32 ألفا فقط، في تراجع تجاوز مئة ضعف.
ويُعد هذا التراجع من أسرع الانهيارات المسجلة في تاريخ الطيور، ويقارن بانقراض الحمام الزاجل الشهير. ويُعزى السبب الرئيس فيه إلى دواء بيطري بدا للوهلة الأولى غير ضار يُسمى "ديكلوفيناك". فقد تبيّن أن هذا العقار المستخدم على نطاق واسع في علاج الماشية شديد السُمّية للنسور، إذ كانت الطيور التي تتغذّى على جيف الحيوانات المُعالجة بالعقار تتعرّض لفشل كلوي حاد (نقرس حشوي)، مما أدي إلى نفوقها بأعداد هائلة.
سلّط التقرير الضوء على حالة مأساوية لطفل يبلغ 7 سنوات يُدعى مانيتيجا في مدينة حيدر آباد، تعرّض لعضة كلب ضال. ورغم إسراع والديه لتطعيمه، أصيب بعد أسابيع بحالة خطيرة فقد معها القدرة على الكلام، وأصبح يعتمد اليوم على أجهزة التنفس منذ شهور، وغير قادر على التعرف على والديه أو الاستجابة لهما.
وتواجه أسرته اليوم أعباء نفسية ومالية هائلة، إذ تنفق نحو 900 دولار شهريا على معدات طبية مستأجرة، بينما لا يتجاوز دخلها 800 دولار. وقد لخّص والده معاناتهم بجملة موجعة: "ماذا بوسعنا أن نفعل؟".
وعلى المستوى الوطني، تشير دراسات إلى أثر هائل على الصحة العامة. فقد أظهر بحث نُشر العام الماضي في مجلة الجمعية الاقتصادية الأميركية أن معدلات الوفيات البشرية ارتفعت بأكثر من 4% في المناطق الأكثر تضررا من اختفاء النسور. ويشمل ذلك وفيات بداء الكلب وأمراض ناتجة عن تلوث المياه وسوء التخلص من الجيف.
أما الكلفة الاقتصادية فتُقدَّر بنحو 70 مليار دولار سنويا، تشمل الرعاية الصحية وخسائر الإنتاجية وأعباء الصرف الصحي التي كانت النسور تؤديها مجانا.
يُعد تراجع النسور أيضا خسارة ثقافية في بعض المجتمعات الهندية التي تحمل فيها النسور رمزية دينية. فقد كان بعض أفراد الطائفة الزرادشتية يعتمدون على النسور في طقوس "أبراج الصمت"، حيث تُترك الجثث للطيور حفاظا على نقاء الأرض والنار. لكن مع اختفاء النسور، أصبحت هذه الممارسة شبه مستحيلة، مما أجبر المجتمع على التخلي عن تقليد عمره قرون.
ويرى بعض الخبراء أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد تصبح النسور مجرد ذكرى للأجيال القادمة. وقال أحدهم "إذا سألت مئة شخص في أي مدينة اليوم، فمن الصعب أن تجد أحدًا يقول إنه رأى نسرًا في حياته".
وتبقى النسور مهددة أيضا بمخاطر أخرى، مثل استمرار الاستخدام غير القانوني للأدوية السامة، ومخاطر أخرى جديدة تشمل خطوط الكهرباء، وتوربينات الرياح، وفقدان الموائل.
ومن المعلوم أن صحة النظم البيئية وصحة البشر وجهان لعملة واحدة. بيد أن مأساة النسور في الهند وما تبعها من تفشي داء الكَلَب وأعباء اقتصادية وكوارث إنسانية، تقدّم مثالا صارخا على حقيقة يُجمع عليها علماء البيئة اليوم، وهي أن صحة الإنسان لا يمكن فصلها عن صحة البيئة. فاختفاء نوع محوري لا يترك أثره في التقارير العلمية فقط، بل يمتد إلى حياة البشر واقتصاداتهم ونسيج مجتمعاتهم.

alafdal-news
