عبد الناصر طه - خاصّ الأفضل نيوز
تعاظمَ الجدلُ حول المكالمة الهاتفية التي حصلت بين الرئيس الأميركي (ترامب) والرئيس الفنزويلي (مادورو)، حول حقيقةِ حصولها وما دار بين الرجلين من حديث. فالجانبُ الأميركي صرّح أنّ ترامب أبلغ مادورو بضرورة التنازل عن الحكم وتسليمِ السلطة للمعارضة المتمثّلة بالرئيس المنتخب (إدموندو غونزاليس) ونائبته (ماريا كورينا ماتشادو)، وبالمقابل يتم السماح له بمغادرة البلاد إلى أيّ دولة تقبل لجوءه إليها، علماً أنّ أكثر المؤشّرات تتحدث عن دولة "قطر" التي تقوم بدور وساطة بين الفريقين بغية الوصول إلى حلّ سريع؛ بينما صرّح الرئيس الفنزويلي أنّ المكالمة كانت ودّية وقائمة على الاحترام المتبادل دون الإشارة إلى التفاصيل.
وليس خفيّاً اليوم أنّ المبادرة القطرية قطعت شوطاً كبيراً على طريق التسوية، وما زال الخلاف قائماً على تفاصيل مهمّة تتعلق بعدد المسؤولين الذين تطالب بهم الحكومة الفنزويلية لمرافقة الرئيس في بلد اللجوء، ويقال إنّ العدد تجاوز 100 شخص من سياسيين وعسكريين، يقابله رفضٌ قاطع من الجانب الأميركي لذلك الطلب، وحصريةُ السماح لمادورو وأفراد عائلته المقرّبين بالخروج الآمن.
إذن، مبادرةٌ قطرية قد يُكتب لها النجاح خلال الأيام القادمة عند تذليل الصعوبات القائمة اليوم، في حين يصرّح مسؤولون في الولايات المتحدة الأميركية أنّ لديهم خطة جاهزة لتمكين السلطة الجديدة من فرض الاستقرار في فنزويلا بعد رحيل المجموعة الحاكمة.
وأمام هدير حاملات الطائرات الأميركية في البحر الكاريبي والدفعِ بما يقارب ربعَ القوة العسكرية الأميركية لمحاصرة فنزويلا، ولمحاربة كارتيلات المخدرات اللاتينية ومنظمات الإرهاب التي "تنقل الموت إلى المجتمع الأميركي" كما تزعم الإدارة الأميركية، يتوقع المحللون المتابعون أن تُعقد صفقة تاريخية تهدف إلى منع إراقة الدماء في فنزويلا، ثم تزداد احتمالات التسوية؛ وإلّا فالضربات العسكرية الأميركية القاسية ستكون البديل الجاهز، بعد أن أعلنت قيادة القوات المتواجدة في الكاريبي تحديد مئات المواقع العسكرية والنفطية والحكومية في فنزويلا أهدافاً لطائراتها وصواريخها ومسيّراتها.
السؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك هو: ماذا بعد فنزويلا؟ لأنّ الرئيس الأميركي يهدد بعض حكومات اليسار المتبقية في دول أميركا اللاتينية، وعلى رأسها كولومبيا وكوبا ونيكاراغوا، بينما يسعى إلى التفاوض والتسويات مع كلّ من البرازيل والمكسيك، أكبر دولتين يحكمهما اليسار.
"نيكاراغوا"، الحلقة الأضعف
في أقلّ من أسبوع تلقّى (دانيال أورتيجا) رئيس دولة نيكاراغوا ضربتين متتاليتين، ومن خلفه يسار أميركا اللاتينية. الأولى تمثّلت في هزيمة حليفه وأهمّ مؤيديه (رالف غونساليس) رئيس وزراء "سان فيسنتي"، وأحد أهمّ حلفاء اليسار في منطقة البحر الكاريبي؛ وهذه الهزيمة تمت على يد المعارضة اليمينية في الانتخابات الأخيرة. والضربة الثانية المؤلمة هي خسارة مرشحة اليسار في "هندوراس"، حيث لم تنل أكثر من 20% من أصوات المقترعين، فيما انحصر التنافس بين مرشحي اليمين المتحدّرين من أصل فلسطيني: الأول (هنري عصفورة) مرشح الرئيس الأميركي (دونالد ترامب)، والثاني (سلفادور نصر الله)، وكلاهما تنحدر أصوله من مدينتي بيت لحم وبيت جالا في فلسطين؛ وقد حصل كل منهما على ما يقارب 40% من الأصوات.
وكلا البلدين، رغم صغرهما الجغرافي وقلة عدد السكان فيهما قياساً بفنزويلا، كانا يُعتبران رئةً يتنفس منها أقطاب اليسار الكبار.
وفي نظرة قريبة إلى قارة أميركا اللاتينية نجد أنّ اليسار قد خسر مواقع متعددة، أهمها: بوليفيا والإكوادور وتشيلي، وبالتالي عاد اليمين بقوة إلى سيطرة جيوسياسية بدعم واضح من الرئيس الأميركي، وقد تمهّد تلك الخسارة لعودة فنزويلا وكولومبيا ونيكاراغوا إلى الحضن الأميركي بقيادة الرئيس (ترامب)، وحسب الأسلوب الذي يرتئيه.
وما يعنيه ذلك من هزيمة مُدوّية لليسار اللاتيني وغير مسبوقة تاريخيًّا.

alafdal-news
