ميشال نصر - خاصّ الأفضل نيوز
شهدت الولايات المتحدة في عام 2025 واحداً من أكثر التحولات وضوحاً في فلسفة إدارتها للأمن القومي منذ نهاية الحرب الباردة. فبعد عقود اتسمت بالتدخل المباشر، وخوض الحروب الطويلة، وتأمين الممرات الحيوية للطاقة، وصوغ التحالفات وفق رؤية أحادية القطب، أتت استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025 لتعلن نهاية مرحلة وبداية أخرى.
هذه المرحلة لم تعد فيها واشنطن راغبة في لعب دور "الشرطي الكوني"، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل ترك الساحة لقوى منافسة من دون ضوابط دقيقة ومركّبة.
في هذه المعادلة الجديدة، يحتل الشرق الأوسط موقعاً بالغ الحساسية، إذ يتقاطع فيه الأمن الدولي بالطاقة، والاقتصاد بالجغرافيا السياسية، والصراعات التاريخية بمسارات القوة الناعمة والخشنة معاً.
تنطلق المقاربة الأميركية الجديدة من إدراك متزايد لدى مراكز القرار في واشنطن بأنّ الأولويات الاستراتيجية تتحوّل بصورة جذرية:
- الصين باتت التهديد الأول من منظور المنافسة الشاملة.
- روسيا تحولت إلى خصم مستديم بدلاً من منافس مرحلي.
- الأمن الاقتصادي، خصوصاً سلاسل التوريد والصناعات المتقدمة، أصبح جزءاً من تعريف الأمن القومي نفسه.
- الشرق الأوسط لم يعد بؤرة مركزية، بل منطقة "ذات أهمية نسبية" يجب إدارتها بأقل كلفة ممكنة مع حصر المخاطر ومنع الانفجارات الكبرى.
تحول لا يعني أن المنطقة خرجت من الحسابات الأميركية، بل يعني أن واشنطن تعيد هندسة علاقتها بها عبر ثلاثة محاور رئيسية: أولا، تقليص الانخراط العسكري المباشر، ثانيا، زيادة الاعتماد على الحلفاء الإقليميين كشركاء في الردع، تعظيم النفوذ عبر الأدوات غير العسكرية: عقوبات، ضغوط دبلوماسية، الاستخبارات، اتفاقات الطاقة، ودعم شبكات النفوذ المحلية.
وفقا لهذه المنهجية، يصبح الشرق الأوسط ساحة لضبط التوازنات أكثر من كونه مساحة لبسط الهيمنة الشاملة. أمر يعكس إدراكاً أميركياً بأن إدارة المنطقة لا يمكن أن تستنزف الموارد المخصصة للمنافسة مع بكين وموسكو، وأن أنماط الحكم المحلي والصراعات الإقليمية أشد تعقيداً من أن تُعالَج بمنطق "الحلول الأميركية الجاهزة".
عليه، فإن وثيقة 2025 تميل إلى نهج الواقعية السياسية، حيث يتم تقييم كل ملف وفق كلفته، مردوده، ودرجة تأثيره في الأمن القومي الأميركي، وليس وفق اعتبارات أيديولوجية أو رسالية.
ضمن هذا السياق، تتعامل واشنطن مع الشرق الأوسط على أنه منطقة تحتاج إلى إدارة مستمرة للاضطرابات وليس إلى إعادة تشكيل شاملة كما جرى خلال ما سمي "الحرب على الإرهاب". وتكشف هذه المقاربة عن أربعة اتجاهات عميقة ستنعكس مباشرة على دول المنطقة:
أولاً: إعادة تعريف مفهوم الردع: لم يعد الردع الأميركي في الشرق الأوسط مرتبطاً بالوجود العسكري الكثيف، بل بقدرة واشنطن على حشد تحالفات إقليمية فعّالة قادرة على الدفاع عن نفسها، أي أن القوة الأميركية باتت قوة "مضاعِفة" لا "حاضرة دائماً". أمور تظهر في دعم واشنطن لاتفاقات دفاعية خليجية - خليجية، تدريب الجيوش المحلية، تعزيز منظومات الدفاع الجوي متعددة الأطراف، والتركيز على الشراكات الأمنية بدلاً من القواعد الثابتة.
ثانياً: سياسة "الاحتواء المرن": وتعني احتواء القوى الأخصام، خصوصاً إيران، من دون الانخراط في مواجهات مباشرة، حيث تعتمد واشنطن في ذلك على العقوبات الذكية، عمليات منع التحويلات المالية، دعم الوكلاء الإقليميين المقربين منها، العمل الاستخباراتي الدقيق، وإعطاء الأولوية لاستقرار أسواق الطاقة على حساب عمليات عسكرية واسعة.
ثالثاً: إدارة التطبيع كأداة استراتيجية: حيث باتت الولايات المتحدة تنظر إلى مشاريع التطبيع العربي - الإسرائيلي، أو التفاهمات الهادئة بين دول متخاصمة، كوسيلة لتقليص تدخلها المباشر. فالولايات المتحدة تسعى إلى خلق "منظومة استقرار إقليمي" تدير نفسها بنفسها، من خلال تشبيك المصالح الاقتصادية والأمنية بين الفاعلين المحليين.
رابعاً: نقل العبء الاقتصادي: إذ تعتبر الإدارة الأميركية أن الاستثمارات والمساعدات يجب أن تكون مشروطة بإصلاحات بنيوية، وبإعادة هيكلة اقتصادات المنطقة وفق معايير الشفافية والحوكمة. بمعنى آخر: واشنطن لم تعد تقود مشاريع إعادة الإعمار أو تقدم دعماً غير مشروط، بل تستخدم أدوات الاقتصاد للضغط والتأثير.
من هذه الزاوية، يبدو واضحاً أنّ لبنان يحتل موقعاً معقداً في الحسابات الأميركية لعام 2025. فبيروت لا تعدّ مركزية في المعادلة الاستراتيجية، لكنها تشكل نقطة حساسة في تقاطع ملفات: الصراع مع إسرائيل، النفوذ الإيراني، استقرار شرق المتوسط، الملاحة والطاقة البحرية، وضبط موجات الهجرة.
لذلك تنظر واشنطن إلى لبنان على أنه نقطة هشّة يجب ألا تنفجر، لكنها أيضاً يجب ألا تتحول إلى قاعدة نفوذ للخصم.
بين هذين الحدّين، تتحرك السياسة الأميركية تجاه لبنان عبر ثلاثة مسارات متوازية:
- ضغط سياسي - اقتصادي على الدولة اللبنانية لإجراء إصلاحات بنيوية، ولتعزيز سيادة الدولة على أدوات القوة داخل حدودها.
- تعزيز قدرات القوات المسلحة لتكون القوة الشرعية الوحيدة القابلة للاستثمار، مع الحرص على ألا تتحول المساعدات إلى عنصر إزعاج لتوازنات داخلية.
- إدارة التوتر الحدودي مع إسرائيل بآليات دبلوماسية – أمنية تمنع الانفجار، وتفتح الباب أمام ترتيبات طويلة الأمد (اقتصادية، بحرية، أمنية).
ولعلّ أخطر ما ستحمله استراتيجية 2025 للبنان هو تحويله إلى ساحة اختبار لنموذج "الاستقرار بأقل كلفة"، أي أنّ واشنطن لن تتدخل عسكرياً لردع أي طرف، لكنها ستستخدم كل أدوات الضغط لمنع لبنان من الانزلاق نحو خيارات تعتبرها تهديداً لمصالحها أو لمصالح حلفائها. وفي المقابل، لن تمنح لبنان دعماً اقتصادياً حقيقياً إلا إذا أثبت قدرة على تطبيق الإصلاحات والشروط المطلوبة.
من هنا، تأتي أهمية تحليل تأثير هذه الاستراتيجية على مستقبل لبنان، وعلى علاقته بواشنطن، وعلى موقعه في صراع النفوذ بين القوى الكبرى. فلبنان، بتركيبته السياسية والاقتصادية والأمنية، قد يكون من أكثر الدول حساسية تجاه التحولات في الأولويات الأميركية، سواء في سياق الصراع مع إيران، أو التوازنات في شرق المتوسط، أو الترتيبات الإقليمية الجديدة التي تسعى واشنطن إلى هندستها.

alafdal-news
