ميرنا صابر - خاصّ الأفضل نيوز
مع مطلع عام ٢٠٢٦، يُطرح سؤال الاستثمار في لبنان ضمن إطار أكثر واقعيّة مما كان عليه في السنوات السابقة، بعدما بات الانهيار الاقتصادي حقيقة مُدارة لا أزمة طارئة. فمنذ عام ٢٠١٩، خسر الاقتصاد اللبناني أكثر من ثلاثة أرباع حجمه الفعلي، وتآكل الناتج المحلي بشكل غير مسبوق، فيما تراجعت الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة إلى مستويات هامشيّة مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة. ورغم ذلك، لا يمكن مقاربة مسألة الاستثمار في لبنان فقط من زاوية الانهيار، بل من خلال فهم التحوّلات العميقة التي أصابت بنية الاقتصاد ونمط عمله.
لبنان في ٢٠٢٦ لا يملك مقوّمات البيئة الاستثمارية التقليدية المعروفة، مثل نظام مصرفي فاعل، سياسة نقدية مستقرة، أو إطار قانوني موثوق لحماية الرساميل.
القطاع المصرفي ما زال عاجزًا عن أداء دوره الأساسي في الوساطة الماليّة، والائتمان شبه متوقف، فيما ما تزال الودائع عالقة من دون حل نهائي، ما يشكّل عامل ردع أساسيًّا لأي استثمار طويل الأجل. إضافة إلى ذلك، فإن غياب قانون واضح لإعادة هيكلة المصارف وتوزيع الخسائر يُبقي المخاطر النظامية مرتفعة، ويحدّ من ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
في المقابل، شهد الاقتصاد اللبناني تحوّلًا فعليًا نحو نموذج نقدي قائم على الدولرة شبه الكاملة، حيث تُسعَّر معظم السلع والخدمات بالدولار النقدي، وتُدفع الأجور في قطاعات واسعة بالعملة الصعبة أو ما يعادلها. هذا الواقع، رغم كلفته الاجتماعيّة العاليّة، أوجد درجة من الاستقرار السعري النسبي مقارنة بسنوات الانهيار الأولى، وقلّص مخاطر تقلب سعر الصرف بالنسبة لبعض المستثمرين، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على السيولة النقدية ولا تحتاج إلى تمويل مصرفي.
من زاوية الاستثمار، لا يشكّل لبنان في ٢٠٢٦ وجهة جاذبة لرؤوس الأموال الكبيرة أو الاستثمارات الاستراتيجيّة المرتبطة بالبنى التحتية والطاقة والصناعة الثقيلة، نظرًا لضعف الدولة، غياب الضمانات، وتدهور الخدمات العامة، لا سيما الكهرباء والنقل ، إلا أن البلاد ما زالت قادرة على استقطاب نوع محدد من الاستثمارات، يتمثل في الرساميل الصغيرة والمتوسطة، والاستثمارات السريعة الدوران، خصوصًا تلك التي يقودها مستثمرون لبنانيون مغتربون يمتلكون معرفة تفصيليّة بالسوق، ويعتمدون على شبكاتهم الخاصة بدل المؤسسات الرسميّة.
تتركّز الفرص الاستثمارية نسبيًا في قطاعات الخدمات، السياحة، الضيافة، التكنولوجيا، والصناعات الخفيفة؛ فالسياحة، رغم هشاشتها وتأثرها بالعوامل السياسيّة والأمنيّة، ما زالت تشكّل مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة، مدعومة بإنفاق المغتربين والزوار الموسميين. أما قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقميّة، فيستفيد من رأس المال البشري اللبناني ومن إمكانية العمل عن بُعد، ما يقلّل من الاعتماد على البيئة المحلية المتعثّرة. كذلك، تستفيد بعض الصناعات الصغيرة من انخفاض كلفة اليد العاملة مقارنة بالأسواق الإقليميّة، وإن كانت تواجه تحديات كبيرة في ما يتعلق بالطاقة واللوجستيات.
مع ذلك، يبقى العائق الأساسي أمام تحوّل لبنان إلى وجهة استثمارية فعلية هو غياب الثقة المؤسسية. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى فرص الربح، بل إلى استقرار القوانين، استقلالية القضاء، وضوح النظام الضريبي، وإمكانية تحويل الأرباح والخروج من السوق عند الحاجة. وفي ظل استمرار ضعف الحوكمة، وتبدّل القواعد الاقتصادية بشكل غير متوقّع، يبقى الاستثمار في لبنان عالي المخاطر، ومحصورًا ضمن نطاق ضيّق وانتقائي.
خلاصة القول إن لبنان في عام ٢٠٢٦ لا يُعتبر بيئة جاذبة للاستثمار بالمعنى التقليدي، لكنه لم يخرج بالكامل من خريطة الاهتمام الاستثماري. فالبلد قد يستقطب رؤوس أموال تبحث عن فرص محدودة، قصيرة الأجل، وعالية المخاطر، أكثر مما يجذب استثمارات مستدامة وطويلة الأمد. أما التحوّل الحقيقي إلى وجهة استثمارية موثوقة، فيبقى مشروطًا بإصلاحات بنيوية عميقة تعيد بناء الثقة قبل إعادة بناء الاقتصاد.

alafdal-news
