نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
في زوايا المقاهي البيروتية، وفي ساحات القرى الهادئة بين جبال لبنان، ثمة ظاهرة اجتماعية جديدة بدأت تطفو على السطح، لتعيد رسم سمات الشخصية اللبنانية المعاصرة. لم يعد اللبناني يبحث عن الوجاهة عبر اقتناء ما ندر، بل أصبح يبحث عنها عبر توثيق ما حضر. لقد انتقلت "البرستيج" اللبناني من البيوت المفتوحة إلى شاشات الهواتف المغلقة. لقد طرأت تغييرات كثيرة على علاقاتنا الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، تغييرات أعادت تشكيل طبيعة التواصل بين بعضنا البعض، وأثّرت على طريقة حضورنا، حتى بدا أحياناً أن الروابط التقليدية تتآكل تحت وطأة التفاعل الافتراضي وسرعة الحياة الحديثة.
هجرة الواقع إلى "الستوري"
تاريخياً، عُرف المجتمع اللبناني بحبه للحياة والعيش والظهور بأفضل حُلة، لكن ما نعيشه اليوم هو تحول في المفاهيم وتحول اللحظة من قيمة إنسانية نعيشها مع من نحب، إلى مادة بصرية نقدّمها لمن لا نعرف. تجد العائلة تجتمع حول مائدة واحدة، لكن الحوار غائب، والصمت لا يكسره إلا صوت التقاط الصور. هنا يبرز التباين؛ نحن نجتهد في إثبات سعادتنا للآخرين، لدرجة أننا ننسى أن نعيش تلك السعادة فعلياً.
صراع العفوية والتصنّع
في السابق، كان التآلف اللبناني يمتاز بعفويته، بضحكات الأجداد، وبأحاديث الجيران التي لا تنتهي. اليوم، أصبحت هذه اللقاءات تخضع لمعايير "الكادر" والإضاءة. أصبحنا نختار ملابسنا الخاصة، وأماكن جلوسنا، وحتى طريقة ضحكنا، بما يتناسب مع عدسة الكاميرا. لقد تحوّل المجتمع إلى "موقع تصوير" كبير، حيث الجميع يمثل دور المكتفي والسعيد، وهو ما خلق فجوة اجتماعية بين ما نراه على الشاشات وبين الحقيقة التي تختبئ خلف الكواليس.
حين يجتمع الافتراضي ويتفكك الواقعي
من المثير للاهتمام كيف عزّزت هذه الوجاهة الرقمية نوعاً من العزلة الاجتماعية المقنّعة. فنحن نملك آلاف المتابعين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكننا قد لا نعرف اسم جارنا الذي يسكن في الشقة المقابلة أو في الشارع المقابل. نشارك صوراً تعكس الكرم والضيافة، لكننا نتردد في فتح أبوابنا لزيارة عفوية دون موعد مسبق.
البحث عن الهوية
إن هذا التمسك بالصورة المثالية ليس مجرد حب للمظاهر، بل هو في عمقه صرخة اجتماعية للحفاظ على الهوية. اللبناني يحاول من خلال صورته الرقمية أن يقول للعالم ولنفسه: "أنا لا زلت هنا، لا زلت أتذوّق الجمال، ولا زلت أتقن فن الحياة". لكن الخوف يكمن في أن تصبح هذه الصورة هي الجوهر، ويصبح الواقع هامشاً ننتظره فقط لنلتقط منه صورة جديدة.
من هنا، يبقى التحدي الأكبر أمام المجتمع اللبناني اليوم هو استعادة أصالة اللحظة، والتمكّن من العودة إلى ما هو حيّ وفوري في تفاعلنا الإنساني. فالعفوية هي الملاذ الأخير الذي يحمي نسيجنا الاجتماعي من الذوبان في عالم افتراضي سريع الزوال، مليء بالصور الفارغة والتفاعلات السطحية.

alafdal-news
