ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
في بلدٍ يختنق يوميًّا بأزمات السير، ويدفع مواطنوه ثمن التنقّل من جيوبهم وصحّتهم، عاد ملف القطار إلى الواجهة، لا بوصفه صورةً من الماضي، بل كخيارٍ يفرض نفسه في لحظةٍ اقتصاديّة خانقة. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على توقّف السكك الحديديّة، يجري اليوم التداول رسميًّا بإعادة تشغيلها ضمن مقاربة مختلفة، أقلّ استعراضيّة وأكثر ارتباطًا بالأرقام والجدوى، في وقتٍ لم يعد فيه لبنان قادرًا على تحمّل كلفة الحلول المؤقّتة.
المعطيات المتوافرة تشير إلى أنّ النقاش الدائر لم يعد يدور حول "إحياء الحلم"، بل حول ما يمكن تنفيذه فعليًّا وبأقلّ كلفة ممكنة.
فالدراسات التي يُعاد تحديثها ترتكز على استثمار الشبكة القائمة بدل إنشاء خطوط جديدة من الصفر، وهو خيار يمكن أن يخفّض كلفة المشروع بنسبة تتراوح بين 50 و60 في المئة مقارنةً بأي مشروع نقل حديث يُبنى من البداية. وتشير تقديرات تقنيّة إلى أنّ جزءًا كبيرًا من المسارات لا يزال صالحًا للاستخدام بعد أعمال تأهيل محدودة نسبيًّا، خصوصًا على خطّ الشمال.
اقتصاديًّا، يُنظر إلى ربط مرفأ طرابلس بالمناطق الحدوديّة كأولويّة، ليس فقط لأنّه أقلّ كلفة، بل لأنّه يفتح الباب أمام إدخال لبنان مجدّدًا في حركة العبور الإقليمي. مصادر متابعة للملف تؤكّد أنّ تشغيل هذا الخط وحده قد يخفّض كلفة نقل البضائع الثقيلة بنسبة تصل إلى 40 في المئة، ويقلّص الاعتماد على الشاحنات التي تستنزف البنية التحتيّة وتزيد الفاتورة النفطيّة، التي تجاوزت ملياري دولار سنويًّا قبل الأزمة، ولا تزال تشكّل عبئًا كبيرًا رغم تراجع الحركة الاقتصاديّة.
القطار، في هذه المعادلة، لا يُطرح كمشروع نقل فقط، بل كأداة لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي. فإمكانيّة تنقّل الركّاب بين المدن الكبرى بكلفة منخفضة قد تغيّر أنماط السكن والعمل، وتخفّف الضغط عن بيروت التي تستقبل يوميًّا مئات آلاف السيّارات. وتشير تقديرات غير رسميّة إلى أنّ تشغيل خطوط ركّاب أساسيّة يمكن أن يخفّض حجم السير الداخل إلى العاصمة بنسبة 20 إلى 25 في المئة، وهو رقم كفيل بتقليص الهدر الزمني والاقتصادي الناتج عن الازدحام.
بيئيًّا وصحّيًّا، لا يقلّ الملف أهميّة عن غيره. فلبنان يسجّل معدّلات مرتفعة من تلوّث الهواء في المدن الساحليّة، مع ازدياد ملحوظ في الأمراض التنفّسيّة، وفق تقارير صحّيّة محلّيّة.
والانتقال إلى النقل السككي يُعدّ من أكثر الوسائل فاعليّة لخفض الانبعاثات، إذ يُقدَّر أنّ القطار يخفّض التلوّث الناتج عن النقل بنسبة تفوق 70 في المئة مقارنةً بالمركبات الفرديّة، ما ينعكس مباشرةً على الكلفة الصحّيّة التي تتحمّلها الدولة والمواطنون.
لكن بين الإمكانات والواقع، يقف عامل أساسي لا يمكن تجاهله: السياسة. فنجاح أي مشروع من هذا النوع يتطلّب استقرارًا إداريًّا وقرارًا تنفيذيًّا محميًّا من التجاذبات، إضافةً إلى إطار تمويلي واضح، سواء عبر شراكات أو دعم خارجي مشروط بالإصلاح. ومع ذلك، يلفت متابعون إلى أنّ اللغة المستخدمة اليوم تختلف عمّا سبق، إذ يجري الحديث عن مراحل تنفيذيّة واقعيّة تبدأ بخطوط محدّدة ذات مردود اقتصادي مباشر، بدل وعود فضفاضة لا تتجاوز الإعلام.
فأيّها اللبنانيّون، عودة القطار إلى النقاش ليست ترفًا ولا حنينًا إلى زمنٍ مضى، بل نتيجة طبيعيّة لأزمة نقل واقتصاد لم تعد تُحتمل. وإذا ما تحوّل هذا الملف من نقاش إلى تنفيذ، فقد يكون من المشاريع القليلة القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد وتخفيف الأعباء اليوميّة عن اللبنانيّين، شرط ألّا تتعطّل السكة مجدّدًا عند أوّل استحقاق سياسي.

alafdal-news
