ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
في وقتٍ يعيش فيه القطاع الزراعي اللبناني واحدةً من أصعب مراحله منذ عقود، تأتي دراسة قانون تنظيم تجارة البذور والشتول ومواد الإكثار كالصاعقة على المزارعين، إذ يُسوَّق بوصفه خطوةً إصلاحية تهدف إلى ضبط الجودة، ومنع الغش، وحماية الإنتاج الزراعي.
إلّا أنّ قراءةً معمّقة لتفاصيل هذا القانون، مقرونةً بالواقع الميداني للمزارعين، تكشف عن مخاطر حقيقية قد لا تظهر في النصوص بقدر ما تتجلّى في التطبيق، ولا سيّما على صغار المزارعين والشتول البلدية، مقابل مكاسب واضحة للشركات الكبرى العاملة في سوق البذور المستوردة.
تشير معلومات خاصة لـ"الأفضل نيوز" إلى أنّ أكثر من 72% من المزارعين اللبنانيين يعتمدون على شتول بلدية أو بذور محفوظة ومكثَّرة محليًا، سواء عبر إعادة زراعة بذور المواسم السابقة أو من خلال مشاتل صغيرة غير مُصنَّفة تجاريًا. وترتفع هذه النسبة في المناطق الطرفية، والبقاع الشمالي، وعكار، والجنوب، حيث تُشكّل الزراعة العائلية مصدر الدخل الأساسي. في المقابل، لا تتجاوز حصة الشركات الكبرى المستوردة للبذور والشتول المسجّلة رسميًا نسبة 28% من السوق، لكنها تمتلك أكثر من 80% من القدرة المالية والتقنية اللازمة للالتزام بشروط التسجيل والفحص والاعتماد التي يفرضها القانون الجديد.
ولا تكمن المشكلة الأساسية في مبدأ التنظيم بحدّ ذاته، بل في كلفته. فبحسب أرقام حصلت عليها "الأفضل نيوز" من مصادر قانونية، تتراوح كلفة تسجيل صنف واحد من البذور أو الشتول بين 3,500 و6,000 دولار أميركي، تشمل رسوم الفحوص المخبرية، والتجارب الحقلية، والتتبّع الإداري، وهو رقم يفوق القدرة السنوية لغالبية المزارعين الذين لا يتجاوز متوسط دخلهم الزراعي الصافي بين 4,000 و6,000 دولار في السنة.
هذا الواقع يجعل الامتثال للقانون شبه مستحيل بالنسبة إلى المزارع الصغير، ويدفعه قسرًا نحو شراء بذور معتمدة من شركات محدودة، ما يعني عمليًا فقدان استقلاله الإنتاجي وارتفاع كلفة الزراعة بنسبة تقديرية قد تصل إلى 35% في بعض المحاصيل الأساسية، كالخضار الموسمية.
والأخطر، بحسب تصريحات خبراء زراعيين لـ"الأفضل نيوز"، أنّ القانون لا يميّز بوضوح بين الإنتاج التجاري الواسع النطاق والزراعة البلدية التقليدية. فالشتول البلدية، التي تُشكّل ركيزةً أساسية للأمن الغذائي المحلي، لا تحظى بأي حماية قانونية صريحة، بل تُعامَل ضمن المنظومة نفسها المطبَّقة على الشركات الكبرى.
هذا الأمر يهدّد فعليًّا التنوّع البيولوجي الزراعي في لبنان، لا سيّما بعدما خسر البلد خلال الثلاثين عامًا الماضية أكثر من 40% من أصنافه الزراعية المحلية، لصالح بذور هجينة مستوردة لا يمكن إعادة تكثيرها.
في المقابل، تستفيد الشركات الكبرى من ثغرات قانونية واضحة، أبرزها غياب سقوف للأسعار أو آليات رقابة على الاحتكار، ما يسمح لها بالتحكّم بالسوق تحت غطاء "الاعتماد الرسمي". كما أنّ آليات الرقابة والتنفيذ تبقى إدارية الطابع، من دون نصوص واضحة تضمن الشفافية أو تمنع الاستنسابية في منح التراخيص أو سحبها، الأمر الذي يفتح الباب أمام ضغوط اقتصادية قد تطال المزارعين الأضعف.
وبحسب معلومات "الأفضل نيوز"، لم يتضمّن القانون أي خطة انتقالية حقيقية لمواكبة المزارعين خلال السنوات الأولى من التطبيق، ولا أي صندوق دعم أو إعفاءات مرحلية، رغم أنّ أكثر من 60% من المشاتل الصغيرة غير مسجّلة رسميًا بسبب كلفة الترخيص وتعقيد إجراءاته. ويجعل هذا الغياب من القانون أداة إقصاء غير مباشرة، بدل أن يكون وسيلةً للتطوير.
إنّ تنظيم قطاع البذور والشتول حاجة فعلية لا يمكن إنكارها، لكن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل التنظيم إلى أداة احتكار تُقصي المزارع الصغير وتُفرغ الزراعة البلدية من مضمونها.
فالأمن الغذائي لا يُبنى بالمختبرات والشهادات فقط، بل أيضًا بحماية المعرفة الزراعية المحلية وتمكين من يمارسها. ومن دون تعديلٍ جديّ يأخذ في الاعتبار خصوصية الزراعة اللبنانية، قد يتحوّل هذا القانون من إطار إصلاحي إلى ضربة قاسية لقطاعٍ لا يحتمل مزيدًا من الخسائر.

alafdal-news
