هالة جعفر- خاص الأفضل نيوز
لعبت وسائل التواصل الإجتماعي دوراً مهماً منذ بداية ما يسمى بالربيع العربي من خلال فتح المجال أمام الجميع لبث الأحداث مباشرةً من قلب الحدث وإلى العالم أجمع من خلال الصور ومقاطع الفيديو. فلم نكن مضطرين إلى الإسراع بفتح شاشة التلفاز لمعرفة الخبر، بل وصلت الأخبار على صفحاتنا بسرعة البرق أينما كنا. منذ ذلك الوقت على وجه الخصوص، أصبح الناس جميعاً محللين سياسيين. فمنذ اندلاع تلك الثورات في البلاد والإطاحةبالأنظمة الديكتاتورية، التي لم يتوقع أحد سقوطها بهذه السهولة،حيث بدأت في تونس بإحراق محمد البوعزيزي نفسه، وتلاها مصربسقوط حسني مبارك وليبيا مع سقوط معمر القذافي واليمن مع الإطاحة بعلي عبدالله صالح. منذ ذلك الحين، كنا في مأزق ما ينشره ويكتبه ثوري حالم من جهة، ومن جهة ثانية تنافس وسائل الإعلام الممولة كلها بدون إستثناء، لإلتقاط أكثر الأخبار ضراراًوبثها "كما تفعل عادةً ومهما كانت النتيجة سلبية".
أما عن بقاء سوريا لأكثر من عشر سنوات، رغم الدعم الدولي لقوى المعارضة التي عجزت عن إنتاج قيادة موحدة قادرة على تشكيلنظام بديل لنظام الأسد الذي حظي بدعم روسي وإيراني، مما ساعده على المواجهة والصمود. علاوة على ذلك، أثبت هذا النظام بعد هذه السنوات أنه يمتلك قوة عسكرية صلبة لا تتزعزع، رغمإنشقاق آلاف الجنود، لكنه تمكن من استعادة معظم الأراضي السورية، وهذا دليل واضح على قوة الجيش وتمسكه بالنظام الذي لم يشهد حتى الآن أي محاولة للإنقلاب عليه. أدت هذه الحرب إلى نزوح عدد كبير من السوريين إلى دول الجوار. بالطبع، لعبت التحليلات والإستراتيجيات الحثيثة التي قدمها المواطن عبر مواقع التواصل الإجتماعي دوراً رئيسياً في ظهور أسماء لم نكن نسمع عنها لولا فتح المجال أمامها للتكاثر والتغلغل في المجتمع، بما في ذلك أولئك الذين تربطهم علاقة مع المجتمع الدولي، وظهورهم مؤخراً بشكل لافت للنظر من حيث إبرازهم كوجوه جديدة تقف مع الناس وحياتهم ومطالبهم، وتجاهر بشعاراتهم من أجل السيادة والحريةوالإستقلال تحت الغطاء الأميركي. هذه الثورات التي ضحى من أجلها كثير من العرب، لم تُغير في اللعبة سوى الأشخاص المرهونينعندها، وعندما استنفذت إمكانياتهم تم تصفيتهم بذرائع كاذبة مثل صدام حسين مُتهماً بامتلاك أسلحة نووية تُمكنهم من دخول العراق.وعلى الرغم من أنه رجلهم إلا أنهم عندما قرروا التخلي عنه، قاموا بإزالته بأسوء الطرق.
أميركا التي أطاحت بالديكتاتوريين بمساعدة حلفائها في الداخل،لجلب أنظمة بديلة تابعة لها فيما بعد دون تغيير المنطقة إلى الأفضل، بل على العكس، هدمت هذه البلدان فكرياً وتاريخياً ومدنيّاً لتجعلها أسوء مما كانت عليه. أميركا التي تتغنى بالديمقراطية والحرية لم تكن في أحسن حال مع شعبها عندما ثاروا عليها نتيجة ضرب المواطن جورج فلويد إلى حد قتله، بل تصرفت كأي نظام ديكتاتوري عربي. هذا النظام الذي يُمسك بسياسة العالم كله، وخاصة دُولنا العربية الغنية بالثروات الطبيعية والنفطية، مُدعياً وقوفه إلى جانبنا لإقناع حليفه الضعيف في منطقتنا والرضوخ له، وتنفيذ أجنداته السياسية بزعزعة إستقرار الأوضاع الداخلية، والبقاء تحت أمرتها حتى لو كانت الحصيلة هي تسليم أعناقهم لهذا النظام المسموم في العالم..
وبما أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا اليوم هي الشغل الشاغل لجميعالدول، وبالطبع، كما هو الحال مع كل حدث، نتعرض لوجهات نظرسياسية معادية ومهينة، نحن "محور الممناعة" كما يُطلق علينا. ولأننا تعودنا على الآراء المتباينة التي يقدمها العديد من أصحابالحسابات على مواقع التواصل الإجتماعي، بما في ذلكالتحليلات المنطقية للمسار التاريخي للأحداث، لتليها بعد ذلك التعليقات الداعمة والمستنكرة. هناك الكثير من الأشخاص الذين لديهم قدر كبير من المعرفة العلمية والتحليلية في هذ الصدد، وهناك أيضاً من هم سطحيون وليس لديهم سوى نكات غبية أو تعليقاتفارغة على صاحب المنشور، والمثير للدهشة أنهم كثيرون وهم في غالب الأمر أكثر من يستخدم هذه المواقع.
عادةً ما تُرى هذه الموجة الإلكترونية الضحلة عند الفنانين المتعدين على الفن، وبالرغم من هذا لديهم جماهير كبيرة تتماشى مع أغنية بسيطة وحفلة صاخبة، لكن اليوم، تأخذ هذه الموجة كل المنعطفات ولا يمكنك إيقافها.
عندما أعلنت روسيا الحرب على أوكرانيا، أبدى الكثير من اللبنانيينتعاطفاً إنسانياً كبيراً مع الشعب الأوكراني، حيث سافر العديد من الطلاب اللبنانيين إلى هذا البلد لإكمال دراستهم الجامعية، لكن سرعان ما انفجر الوضع في أوكرانيا واقعياً، ووهمياً في الوسائل الإجتماعية بإطلاق آراء وتحليلات وتهويدات وهرج ومرج. هذا الجو المشبوه الذي نعيش فيه دائماً في أي حدث، وخاصة في مجتمعنا اللبناني، لأنه مجتمع حر يمكنه التعبير عن نفسه بأشكال وطرق مختلفة، لكنه ليس مجتمعاً ديمقراطياً إطلاقاً، بل هو بعيد كل البعد عن الديمقراطية. ولهذا ترى أن العديد من أصحاب المنشورات لا يقبلون رأي الآخر إن كان يختلف معه، بل يسارعون إلى اتهامه على الفور. إن التصنيفات التي يتبناها غالبية الذين يقدمون أنفسهم على دراية بكل شيء، من الأوضاع السياسية إلى الإقتصادية وما إلى ذلك، ومعظمها يستند فقط على مفهوم أولئك الذين يختلفون مع الآخر، للإسراع بأحكامهم مسبقاً بأنه ينتمي إلى طرفٍ معين وهذاكله نتيجة رأي مغاير.أصبحت هذه الطريقة أسلوباً للحياة عند هذه الأطراف، وهذا الأمر الذي يؤدي إلى استفزاز الطرف الآخر الذي يجد نفسه مبرراً بكلماته طوال الوقت، أو يستخدم طريقة أخرى، مثل الإنتقال إلى صفحته ووضع المنشور الذي استفزه للتعليق عليه متهماً إياه بالخيانة مثلاً، أو استخدام أسلوب السخرية الذيسرعان ما يسانده الأصدقاء بألفاظ بذيئة واتهامات تعسفية، وهكذا..
في ظل هذه الأجواء، إنتشرت قبل أيام صور ومقاطع فيديو لنازحين أوكرانيين على مواقع التواصل الإجتماعي، عبرت فيها وسائل إعلام أميركية وأوروبية عن إحتضانها لهم، وكما سمع العالم أجمع تضامن الإعلام الغربي كما شعوبهم مع النازحين رافضين الإعتداء عليهم. وطالبت كل الدول بفتح حدودها واستقبالهم. وفجأة، وفي لحظات مؤثرة وحقيقية تُعبر هذه الوسائل الإعلامية ودولها عنرأيها فينا، طبعاً هذه الآراء تعتبر دفينة "منذ القدم" بالرغم من مظاهر القبول، إلا أن هذا الأمر ظهر للعلن في لحظة، شاء من شاء وأبى من أبى . فتقف متأثراً بما صدر لتجد أنك لا تملك عينين زرقاوين، وبشرة بيضاء أو شعر أشقر، وأن هؤلاء النازحينمتعلمون ومثقفون وليسوا عرب متخلفين يأتون من دول نامية وشبه معدومة "كما اعتدنا عليهم"..
كيف نتخيل أنفسنا بعد كلمات مليئة بالكراهية والقبح والحقد الدفين جراء أفكارهم ومعتقداتهم العنصرية البغيضة تجاه الدول العربية وشمال أفريقيا وأفغانستان ؟ أم أن شعوبنا لا يحق لها سوى الذل والخنوع والفتنة. كيف يمكننا أن نصارع ونتفاخربالإنسانية تجاه الدول التي وقفت مع عدوك أثناء الحرب على بلدك،مع الدول التي تتحرك مشاعرها الإنسانية نتيجة لون البشرة والعينينن والشعر، تلك الدول التي زعزعت إستقرار بلدك ونهبت خيراته وثرواته حتى جربو كل أسلحتهم على أرضك وشعبك.
أين إنسانيتك من حرب اليمن مثلاً؟ وأين إنسانيتك تجاه مشاعر هذه الدول المعدمة نهائياً من القضية الفلسطينية؟ إنهم المهجرون الفلسطينيون الذين نزحوا من بلادهم إلى دول أخرى بعد أن احتلت دول الإستعمار بلادهم بأسوء أنواع المجازر عبر التاريخ. هم النازحون الأرمن والسوريون والعراقيون وغيرهم.. لا أحد يستطيع أن يتعاطف مع الشعب الأوكراني دون التعاطف الإنساني مع هذه البلدان، إلا إذا كان الشخص الذي لديه مثل هذه المشاعر القوية كاذباً ومنافقاً على أعلى المستويات.

alafdal-news
