معن بشور
لم يكن انعقاد الأمانة العامّة للمؤتمر القومي العربي في دمشق تحت شعار "مع سورية في وجه الحصار والعدوان والاحتلال" بعد انعقاد دورته الثانية والثلاثين في بيروت، سوى تتويجًا لجملة مواقف ومبادرات اتخذها منذ بدء الحرب الكونية على سورية في 11/3/2011 وحتّى اليوم سواء من خلال منتدى بيروت الأول الذي انعقد من أجل "مواجهة التدخل الأجنبي في سورية ودعم الحوار" وخرج منه وفد إلى دمشق التقى الرئيس الأسد وكبار المسؤولين السوريين، كما التقى عدداً من المعارضين السلميّين بهدف إجراء حوار يؤدّي إلى وقف مسار الحرب الاستعماريّة على سورية والتي استغلّت مطالب مشروعة من أجل تنفيذ أجندات مشبوهة ضدّ بلد يحمل لواء العروبة والمقاومة ويقف تاريخيًّا حجر عثرة في وجه كلّ المشاريع الاستعمارية الصهيونية وفي مقدمها التطبيع مع العدو .
واستمرّ المؤتمر في إعلان مواقفه المناهضة للحرب على سورية، وخصوصًا في بيانات دوراته، بما فيها التي انعقدت في تونس عام 2012 والقاهرة عام 2013 ، وتضمّنت نقدًا واضحًا للموقف الرسمي العربي من سورية ومساهمته في الحرب عليها.
وما إن صدر قانون "قيصر" الأميركي المشؤوم في أواخر حزيران/يونيو 2019 متزامنًا مع إعلان ترامب عن "صفقة القرن" حتّى دعا المؤتمر القومي العربي متعاونًا مع المركز العربي الدولي للتّواصل والتّضامن إلى منتدى عربي لكسر الحصار على سورية ضمّ المئات من القيادات الشّعبية العربية مطلقاً "الحملة الشعبيّة العربيّة الدوليّة لكسر الحصار على سورية" برئاسة أمينه العام السابق المناضل الناصري مجدي المعصراوي، والتي عقدت ثلاث اجتماعات افتراضية ضمّت المئات من الشّخصيات العربية والدولية خلال أعوام 2020 و 2021 و 2022 والتي ما زالت مستمرّة وتهيء لتجديد فعاليات الحملة في ضوء التراخي الرسمي العربي في ترجمة أجواء الانفتاح العربي الرسمي على سورية بعد قمّة جدة والزيارات المتبادلة مع دمشق .
واهتمام المؤتمر القومي العربي بدعم سورية في وجه الحصار والعدوان والاحتلال كان جزءاً من اهتمام المؤتمر بسائر قضايا الأمة، سواء في فلسطين التي كانت وما زالت بوصلة المؤتمر ، وهو الذي يضمّ ممثّلين عن كلّ ألوان الطّيف السّياسي والفصائلي الفلسطيني، رافعاً شعاره دعم المقاومة في وجه كافة الحروب، ورافضاً لكل المؤتمرات والاتفاقات التي تقود إلى تصفية القضية من "كمب ديفيد" إلى "أوسلو" إلى "وادي عربة" إلى اتفاقات التطبيع وعمليات التّنسيق الأمني.
وفي العراق الذي كان للمؤتمر مبادرات مشهودة في الانتصار له في وجه الحرب الأميركية الأولى عام 1990، ثمّ في كسر الحصار عليه منذ تلك الحرب حتّى الحرب الثانية عام 2003، حيث كان لأعضاء المؤتمر ورموزه دورٌ كبيرٌ في إطلاق المسيرات الحاشدة من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، وفي إرسال المساعدات الغذائية والدوائية للشعب المحاصر، أو في تعبئة الشارع العربي ضد الاحتلال الأميركي للعراق، ثم في دعم المقاومة، ممّا جعل سلطات الاحتلال في العراق وأدواتها تضع أسماء بعض رموز المؤتمر على لوائح المطلوبين بذريعة دعم المقاومة العراقية .
كذلك كان للمؤتمر مواقف واضحة لمساندة المقاومة في لبنان لعلّ أبرزها المؤتمرات العربية الحاشدة لدعم المقاومة في ذكرى يوم الأرض في 30/3/2006 متمسّكة بسلاح المقاومة، ثمّ في 16/10/2016 في رفض اعتبار حزب الله منظّمة إرهابية وضم المئات من أبرز الشخصيات العربية والذي ساهم مع عوامل أخرى في عدم إدراج بند باعتبار حزب الله منظمة إرهابية على جدول أعمال قمّة نواكشوط في موريتانيا بعد أشهر من ذلك المؤتمر الهام الذي جدّد دعمه للمقاومة وتحمّل بذلك حملات شديدة عليه كما واجه محاولات عزله ومحاصرته.
لم يكن موقف المؤتمر من غزو الناتو لليبيا مختلفاً، ولا دوره في إطلاق حوار بين كلّ الجهات اليمنية المتصارعة مختلفاً، كما لم تتوقف مبادراته لإطلاق الحوار في عدة أقطار عربية تحت شعار واضح " نحن جسور بين أبناء الأمّة لنبني معاً المتاريس في وجه أعدائها"، بإشراف الأمين العام السابق للمؤتمر رئيس المؤتمر العربي العام الأستاذ خالد السفياني.
طبعاً لم ينحصر اهتمام المؤتمر بالقضايا السياسية والصراعية بل أعطى الشأن الفكري اهتماماً خاصاً منذ انطلاقه على قاعدة الالتزام بالمشروع النهضوي العربي حيث خصّص جلسات في كلّ دوراته لمناقشة قضايا هذا المشروع الستة الوحدة العربية، الاستقلال الوطني والقومي، الديمقراطية، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية، التجدّد الحضاري .
كما كان اهتمام المؤتمر القومي العربي بالشباب منذ دورته التأسيسية في تونس حيث أطلق تجربة مخيمات الشباب القومي العربي التي انعقدت في الكثير من الأقطار العربية (لبنان، الأردن، اليمن، المغرب، الجزائر، مصر، السودان، سورية، العراق، تونس ، ليبيا)، والذي سيعقد دورته الثلاثين في "دار الحنان" في البقاع الغربي في لبنان حيث عقد دورته الأولى عام 1990، كما أطلق من خلال أعضائه في لبنان مبادرتين شبابيتين نوعيتين، أوّلهما الندوة الفكرية العربية الشبابية منذ عام 2010، والثانيه هي ملتقى الشباب العربي التضامني منذ عام 2019. والجدير بالذكر أن سبعة من خريجي المخيم بالإضافة إلى أحد مؤسّسيه قد انتخبوا أعضاء في الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي خلال الدورة 31 التي انعقدت عام 2022.
أمّا تمويل المؤتمر الذي يحرص على شفافيته فهو يقوم على اشتراكات أعضائه وأصدقائه بالإضافة إلى ميزانية تشغيلية محدودة جدًّا جدًّا.
إن هذه المسيرة الساطعة التي استمرت صاعدة ثلث قرن حتّى الآن بفضل تمسّكها بالمبادئ أوّلاً، وبروح الحوار والتفاعل ونبذ الإقصاء ثانياً، و ثالثًا باستقلاليتها عن أيّ نظام رسميّ عربي رغم اعتمادها الموضوعية في علاقات المؤتمر بالأنظمة إذ يرحّب بكلّ خطوة إيجابية يتّخذها هذا النظام أو ذاك، وينتقد أيّ خطوة يتّخذها، خصوصاً في مجال التطبيع أو اعتقال أصحاب المواقف السياسيّة المعارضة .
بل هذه هي المسيرة التي تفسّر سبب التحامل على المؤتمر من جهات تبدو في الظاهر متناقضة وهي في الحقيقة متضايقة من بقاء إطار عربي جامع يحمل راية العروبة وفلسطين في زمن تسود فيه مخطّطات التفرقة ومشاريع التطبيع، وما الحصار المضروب عليه من جهات مختلفة إلّا نتيجة هذه المواقف التي تستوجب احتضانه في كلّ عواصم الأمة.

alafdal-news
