ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
عندما تشتعل المنطقة، غالبًا ما يظهر لبنان في مقدمة المشهد. بلد صغير في المساحة، لكنه كبير في تعقيداته السياسية والأمنية، يجد نفسه مجدّدًا على خط النار. التصعيد العسكري الذي يتوسع منذ عام 2025 لا يبدو مجرد جولة مواجهة عسكرية عابرة، بل جزءًا من تحولات أعمق في الشرق الأوسط. فالحروب التي كانت تُفسَّر سابقًا بصراع النفط باتت اليوم تحمل أبعادًا أخرى تتعلق بالموارد والنفوذ وإعادة رسم التوازنات. وفي قلب هذه المعادلة يقف لبنان مرة أخرى، ليس فقط كساحة مواجهة، بل كمرآة تعكس الصراع الأكبر الذي يتشكل في المنطقة.
المشهد الحالي يضع لبنان مرة أخرى أمام حرب مفتوحة مع إسرائيل، في واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ حرب تموز 2006. فالتصعيد العسكري على الجبهة الجنوبية، والضربات المتبادلة، والنزوح الواسع من القرى الحدودية، كلها مؤشرات على أن المواجهة تجاوزت إطار الاشتباكات المحدودة لتدخل في منطق الصراع الإقليمي الأوسع. لكن قراءة هذه الحرب من زاوية عسكرية فقط لا تكفي لفهم ما يجري، لأن ما يحدث اليوم يرتبط بسلسلة حروب سابقة خاضها لبنان مع إسرائيل ونجا منها، وإن بثمن باهظ.
فمنذ الاجتياح الإسرائيلي الأول للجنوب عام 1978، مرورًا بالاجتياح الأكبر عام 1982 الذي وصل إلى بيروت، ثم سنوات الاحتلال التي انتهت بانسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000، وصولًا إلى حرب تموز 2006 التي استمرت 34 يومًا، ظل لبنان ساحة مواجهة دائمة مع إسرائيل. هذه الحروب لم تكن مجرد صدامات حدودية، بل كانت جزءًا من معادلة إقليمية مرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي وبالتحولات الكبرى في الشرق الأوسط.
ورغم الدمار الذي خلّفته تلك المواجهات، استطاع لبنان في كل مرة أن يخرج من الحرب دون أن يختفي من المعادلة الإقليمية. لكن الحرب التي تتشكل اليوم تبدو مختلفة في خلفياتها. فبينما اعتادت المنطقة تفسير الحروب الكبرى باعتبارها حروب نفط، تبرز اليوم مؤشرات تدفع إلى إعادة التفكير في هذه الفرضية.
في الخامس من آذار 2026، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تصريحات لوسائل إعلام أميركية إن ارتفاع أسعار النفط خلال العمليات العسكرية "لا يهم"، مضيفًا أن الأسواق قادرة على التكيف مع أي ارتفاع محتمل في الأسعار. هذا التصريح أثار نقاشًا واسعًا بين المحللين، لأنه كسر أحد أهم الخطوط الحمراء التقليدية في السياسة الأميركية، وهو الخوف من انفجار أسعار الطاقة نتيجة الحروب في الشرق الأوسط.
إذا لم يكن النفط هو العامل الحاسم، فما الذي يقف خلف الحرب الحالية؟ هنا تبرز فرضيات جديدة بدأت تظهر في تحليلات مراكز الدراسات الدولية. إحدى هذه الفرضيات تتعلق بالصراع على الموارد الطبيعية غير النفطية، وفي مقدمتها المياه.
لبنان يمتلك واحدًا من أهم الأنظمة المائية في شرق المتوسط، مع أنه يعاني داخليًا من سوء إدارة هذا المورد. نهر الليطاني، والحاصباني، والوزاني، إضافة إلى المخزون الجوفي الكبير في جباله، كلها مصادر مائية لطالما كانت جزءًا من الحسابات الاستراتيجية في المنطقة. وفي أكثر من محطة تاريخية، ظهرت توترات حول مشاريع لبنانية لاستخدام مياه الحاصباني والوزاني، ما جعل ملف المياه يدخل بشكل غير مباشر في معادلة الصراع.
اليوم، ومع ازدياد أهمية المياه عالميًا نتيجة التغير المناخي، يرى بعض المحللين أن الشرق الأوسط قد يدخل تدريجيًا في مرحلة "حروب الموارد"، حيث تتحول المياه إلى عنصر استراتيجي يوازي النفط في أهميته. وفي هذا السياق، قد لا يكون من المبالغة طرح احتمال أن تصبح مصادر المياه في شرق المتوسط جزءًا من الحسابات الأمنية للدول في المنطقة.
لكن فرضية الحرب المائية وحدها لا تفسر كل شيء. فالصراع في لبنان يحمل أيضًا بُعدًا سياسيًا وثقافيًا أعمق. فلبنان يقف اليوم عند تقاطع مشاريع متناقضة للمنطقة: مشروع يسعى إلى إعادة رسم موازين القوى الأمنية في الشرق الأوسط، ومشروع آخر يقوم على تثبيت معادلة الردع القائمة منذ سنوات.
في تحليلات لعدد من الخبراء الدوليين في مراكز أبحاث أميركية وأوروبية، يظهر أن الهدف الإسرائيلي في المرحلة الحالية يتجاوز مجرد الرد العسكري، ليتجه نحو محاولة تغيير قواعد الاشتباك على الحدود اللبنانية بشكل جذري. بمعنى آخر، ليست القضية مجرد مواجهة عسكرية، بل محاولة لإعادة صياغة التوازنات الأمنية في لبنان والمنطقة. وفي المقابل، يرى محللون أن الساحة اللبنانية أصبحت جزءًا من الصراع الإقليمي الأكبر بين إسرائيل وإيران، وهو صراع يتخذ أشكالًا متعددة من المواجهة المباشرة وغير المباشرة في أكثر من ساحة شرق أوسطية.
وسط هذه التداخلات، يجد لبنان نفسه مرة أخرى في قلب معادلة معقدة: دولة تعيش انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق منذ عام 2019، ومؤسسات سياسية شبه مشلولة، وجبهة عسكرية مفتوحة على احتمالات التصعيد. هذا الواقع يجعل أي حرب جديدة أكثر خطورة من سابقاتها، لأن قدرة الدولة والمجتمع على امتصاص الصدمات أصبحت أضعف بكثير مما كانت عليه في الحروب السابقة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط لماذا يحارب لبنان، بل ما الذي يُراد تغييره في لبنان من خلال هذه الحرب. هل الهدف إعادة رسم الحدود الأمنية في الجنوب؟ أم إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية؟ أم الضغط لإنتاج معادلة سياسية جديدة داخل لبنان نفسه؟
ما يبدو واضحًا حتى الآن هو أن الحرب الحالية ليست حربًا تقليدية على النفط كما اعتاد العالم تفسير حروب الشرق الأوسط. هي حرب متعددة الأبعاد: صراع نفوذ، صراع ردع، صراع موارد، وربما أيضًا صراع نماذج سياسية وثقافية داخل المنطقة.
في كل الأحوال، يبقى لبنان مرة أخرى في قلب العاصفة. بلد صغير يجد نفسه في مواجهة أسئلة أكبر من حجمه بكثير: من يحدد مستقبل المنطقة؟ ومن يرسم خرائط القوة فيها؟ وهل سيبقى لبنان مجرد ساحة لهذه الصراعات، أم أنه سيجد في نهاية المطاف طريقًا للخروج من دائرة الحروب المتكررة؟

