عبد الله قمح - خاصّ الأفضل نيوز
تقود مجمل المؤشرات الداخلية إلى توقف مسار المفاوضات ومقترحاتها، بعد سقوطها تباعاً. ويعود ذلك أولاً إلى تمسّك إسرائيل بالخيار العسكري، وثانياً إلى تشدّد «الثنائي الشيعي»، فضلاً عن رغبة «حزب الله» في فرض معطى ميداني مختلف وواضح.
في هذا السياق، تراجع الاهتمام الداخلي بكل ما يتصل بالتفاوض، لصالح حضور الميدان الذي فرض نفسه على الطاولة. وبحسب مصادر مطّلعة، فإن من العوامل التي ساهمت في تكريس هذا المناخ زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى بيروت، ثم انتقاله إلى تل أبيب، حيث بدا وكأنه يتموضع إلى جانب الطروحات الإسرائيلية، بما عكس انقلاباً في الموقف الفرنسي مقارنة بما طرحه في بيروت، ولا سيما بعد إعادة صياغة خطابه بما يتلاءم مع اتهام الدولة اللبنانية بالتقاعس جنوب الليطاني.
وبذلك، يكون الطرف الدولي الوحيد الداعم لمسار التفاوض قد تراجع عملياً، محمّلاً الدولة اللبنانية جزءاً من المسؤولية. وتشير المعلومات إلى أن قبرص كانت قد سبقت ذلك، فتجاوزت مبادرتها وجمّدتها، خصوصاً بعد دخول باريس على خط الوساطة، واكتشافها عمق الخلاف الداخلي اللبناني حول تشكيل الوفد المفاوض، ورفض الأطراف المنخرطة في القتال الانضمام إليه، في إشارة إلى «حزب الله».
تبعاً لذلك، اختار رئيس الجمهورية جوزاف عون الانكفاء عن المشهد، والتراجع تكتيكياً، ليس بهدف إسقاط خيار التفاوض، بل نتيجة إدراكه أن الظرف الراهن لا يحمل أي مؤشرات جدية على إمكانية إطلاقه. في المقابل، حاول رئيس الحكومة نواف سلام استثمار هذا الفراغ، فاندفع سياسياً نحو التشديد على خيار التفاوض باعتباره المسار الوحيد، داعياً إلى تشكيل وفد متكامل، في مقاربة بدت متقدمة على السياق الذي تكرّس بعد زيارة الوزير الفرنسي، حيث انتقل كل من لبنان وإسرائيل إلى مرحلة مختلفة.
في موازاة ذلك، ينحصر الدور اللبناني حالياً، وفق معلومات “الأفضل نيوز”، في إجراء اتصالات مع عدد من الدول، في محاولة لثني إسرائيل عن توسيع نطاق عدوانها ليشمل البنى التحتية، من دون التوصل حتى الآن إلى أي ضمانات فعلية.
وقبل سقوط المبادرة الفرنسية القائمة على مبادئ طرحها الرئيس عون، حاولت باريس إقناع إسرائيل بعدم استهداف بعض الجسور الحيوية التي تربط ضفتي نهر الليطاني جنوباً، ضمن مسعى لبناني لاحتواء التصعيد. غير أن تل أبيب، التي رفعت سقف شروطها إلى الحد الأقصى، مطالبةً بإجراءات لبنانية تمنع تسلل عناصر «حزب الله» إلى جنوب الليطاني، سارعت، وقبل تلقي أي رد رسمي، إلى قصف جسر قعقعية الجسر (نهر السبت)، ثم جسر القاسمية يوم الأحد.
وبذلك، لم يتبقَّ سوى جسر واحد من بين الجسور التي تربط الضفتين من أصل ٨ بين عبارة وجسر، وسط مخاوف من توسّع الاستهداف ليطال جسوراً أخرى شمال الليطاني، وربما يمتد لاحقاً إلى مناطق أبعد، وصولاً إلى نهر الأولي، تحت الذريعة نفسها، أي منع استخدام هذه المنشآت من قبل «حزب الله»، ما يعني عملياً قطع شرايين حيوية في البلاد.
في هذا الإطار، لم ينفِ مصدر معني لـ“الأفضل نيوز” وجود خشية لبنانية حقيقية من أن تبدأ إسرائيل استهدافاً منهجياً للجسور، على غرار ما جرى خلال عدوان تموز/آب 2006، في ظل غياب أي ضمانات دولية جدية، وهو ما أقرّ به أيضاً رئيس الحكومة نواف سلام في تصريحاته.
وتربط المصادر، كما رئيس الجمهورية جوزاف عون، بين هذا السيناريو وبين هدفين محتملين: الأول، التمهيد لتقدم بري واسع النطاق، والثاني، ممارسة ضغط مباشر على الدولة اللبنانية. وبحسب هذه القراءة، تسعى إسرائيل إلى نقل الاشتباك من الحدود إلى الداخل اللبناني، سياسياً بالدرجة الأولى، بما يخلق ضغطاً داخلياً على «حزب الله» ويؤثر على دوره.
وفي هذا السياق، تبدو نقطة الضعف الأساسية، من وجهة نظر تل أبيب، في هشاشة الدولة اللبنانية، واستعداد الحكومة للانخراط في مواجهة سياسية مع الحزب، وهو مسار تعزَّز بعد قرارات جلسة 2 آذار، ما يجعل الداخل ساحة ضغط موازية للميدان.

