عماد مرمل - خاصّ الأفضل نيوز
يستمرُّ شد الحبال في البر والبحر بين طهران وواشنطن، حيث يستخدم كل طرف أوراق الضغط غير القتالية المتوافرة لديه لمحاولة انتزاع التنازلات من الآخر والوصول إلى تسوية مقبولة، خصوصا أن كلا الجانبين يعرف أن العودة إلى الحرب العسكرية ستكون مكلفة كثيرا وباهظة جدا، وإن تكن تبقى احتمالا واردا إذا استمر الانسداد في الشرايين الدبلوماسية.
وما يُصعّب التفاوض أنه يجري في ظل حرب لم تُحسم، بحيث إن كلا من إيران والولايات المتحدة يتصرف على أساس أنه غير مهزوم، وأنه ليس مضطرا إلى تقديم تنازلات لا تتناسب مع التوازنات التي أفرزتها المواجهة العسكرية.
ولعل الضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية التي يتعرض لها ترامب من الداخل الأميركي، وتعددية مراكز صنع القرار في طهران، تدفع في اتجاه أن يكون مسار تقديم التنازلات بطيئا ومعقدا، ما يفسر الكرَّ والفرَّ الدبلوماسيين من دون امتلاك قدرة حتى الآن على الخروج من عنق الزجاجة.
وتعتبر أوساط مطلعة على تفاصيل الملف الإقليمي أن الإدارة الأميركية معنية بالتخلي عن وهم تحقيق النصر الكامل والقبول بخفض سقف أهدافها بغية إيجاد قواسم مشتركة مع الإيرانيين الذين يسعون إلى تفكيك ملفات التفاوض وإيجاد معالجات متدرجة ومنفصلة لها، في إطار محاولة بناء طوابق الثقة الواحد تلو الآخر، بدءا من معالجة أزمة الحصار البحري ومضيق هرمز، وذلك بدلا من انتظار نضوج الصفقة الكبرى والشاملة التي تواجهها تعقيدات كثيرة ويحتاج إبرامها إلى وقت طويل لا تتحمله المنطقة.
في المقابل، تراهن واشنطن على أن ينجح "الغضب الاقتصادي" عبر الحصار البحري في لَيِّ ذراع طهران واجبارها على الخضوع إلى الشروط الأميركية عاجلا أم آجلا من دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية مجددا.
وقد كان ترامب صريحا بالإعلان عن أن المطلوب هو استسلام إيران، مفترضا أن تراكم تداعيات الحصار مع مرور الوقت سيدفعها إلى التنازل له، وأن ليس عليه سوى الانتظار قليلا حتى يقطف النصر، بينما يجزم القريبون من طهران أن بمقدورها التحمل لفترة أطول بكثير مما يظن الرئيس الأميركي وأن إيذاء اقتصادها سيقابله تضرر الاقتصاد العالمي من خلال إحكام قبضتها على مضيق هرمز، وربما تتطور الأمور تصاعديا نحو استخدام ورقة باب المندب إذا دعت الضرورة.
ويعتمد السلاح الاقتصادي الذي تستعمله واشنطن في هذه المرحلة على فرض حصار محكم يستهدف أسطول "الظل" النفطي الإيراني والمصافي الدولية التي تتعامل معه، إلا أن مفاعيل محاولة شد الخناق على طهران لن تظهر سريعا لاسيما أن إيران لديها خبرة في التعامل مع تحديات الحصار، إضافة إلى أنها تعول بدورها على نتائج إقفال مضيق هرمز لإيلام واشنطن في معركة عض الأصابع.
وطبيعة وقف إطلاق النار الحالي الهشة تبقيه عرضة للانهيار، بحيث إن التعثر المستمر في ردم الفجوة بين الطرفين حول القضايا الجوهرية كتخصيب اليورانيوم، ينذر بفشل الوساطة في نهاية المطاف، خصوصا أن ترامب قد يسعى، بعد نفاد صبره، إلى إعادة إشعال فتيل الحرب وربما استخدام قوات برية في عمليات موضعية لتحقيق إنجاز نوعي أو هوليوودي يجنبه صورة الفشل، بينما لا تزال إيران تحتفظ بجزء كبير من قدراتها العسكرية، مثل الصواريخ الباليستية، الأمر الذي يسمح لها بمواصلة القتال.
أما بالنسبة إلى العامل اللبناني وعلاقته بما يجري في الإقليم، فإن أي تصعيد كبير على الجبهة اللبنانية سيلقي بظلاله على مسرح المفاوضات الإيرانية - الأميركية، الأمر الذي يفسر تدخل ترامب لضبط نتنياهو على إيقاع الحسابات الأميركية، مانحا إياه حرية الحركة في الجنوب تحت سقف منع الانهيار الكامل للهدنة، أقله حاليا، في انتظار انقشاع غيوم باكستان.
وبهذا المعنى، يبدو لبنان ورقة رافدة تؤثر في موازين القوى الإجمالية، لكنها لا تطرح كبند تفاوضي معلن ومستقل في مبادرة باكستان.

