ميرنا صابر - خاص الأفضل نيوز
ليس صيف لبنان هذا العام مجرّد موسم سياحي، بل اختبار اقتصادي مصيري بكل ما للكلمة من معنى. بين مؤشرات تعافٍ هشّة ومخاطر تصعيد لا يمكن تجاهلها، يقف البلد على حافة ماليّة دقيقة، حيث تتقاطع مليارات الدولارات الآتية من السياحة وتحويلات المغتربين مع واقع داخلي شديد الهشاشة.
في الأرقام، تبدو الصورة مزدوجة بوضوح في التحويلات الماليّة، التي تشكّل شريان الحياة الأساسي للاقتصاد، تدور حول ٦ إلى ٧ مليارات دولار سنوياً، أي ما يقارب ٣٠٪ من الناتج المحلي، لكنها تُظهر تراجعاً تدريجياً في ظل التوترات الإقليميّة. أما السياحة، فقد سجّلت انتعاشاً نسبياً في العام الماضي، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الزوار، لكن هذا الانتعاش بقي هشّاً وسريع التأثر بأي تطور أمني أو سياسي وعلى ما يبدو أننا لن نشهد هذا العام إلا ما يقارب الـ ٥٪ مما شهدناه في الصيف الماضي.
في هذا السياق، يشير الخبير في الأسواق الماليّة دانيال البنا في حديث خاص لـ"الأفضل نيوز" أنّ:
"السوق اللبناني اليوم لا يتحرّك على أساس تقليدي، بل على تدفّقات الدولار السريع وأي صدمة أمنيّة، حتى لو كانت محدودة، تنعكس فوراً على سلوك الإنفاق والتحويلات."
وأضاف البنّا: "السياحة هذا العام ستتراجع عالميًا ليس فقط على صعيد لبنان فسعر التذاكر عالميًا شهد ارتفاع خاصة أن العديد من الشركات قلصت وجهة رحلاتها." هذا الواقع يضع صيف لبنان أمام ثلاثة سيناريوهات مفصليّة:
السيناريو الأول: صيف "الهدنة الاقتصادية"
في حال بقيت التوترات ضمن الحدود الدنيا نوعًا ما، قد يشهد لبنان موسماً "مقبولاً" مدفوعاً بعودة المغتربين. ويُقدَّر أن متوسط إنفاق السائح الواحد يتجاوز الـ ٣٥٠٠ دولار، ما يخلق ضخّاً نقدياً سريعاً في الأسواق. لكن البنّا يوضح هنا زاوية مختلفة: "حتى في أفضل الحالات، نحن لا نتحدث عن انتعاش اقتصادي، بل عن cash injection، وهذا النوع من الاقتصاد بتنا نتعايش معه من العام ٢٠١٩ للأسف."
السيناريو الثاني: صيف "التذبذب الحاد"
وهو السيناريو الأكثر واقعيّة وفق معطيات السوق الحاليّة، حيث تتحوّل الحجوزات إلى قصيرة الأمد، وتزداد الإلغاءات عند أي تطور أمني. وتشير تقديرات خاصة للـ"الأفضل نيوز" إلى أنّ القطاع قد يخسر ٢٠٪ إلى ٣٠٪ من أيام الذروة بسبب هذا التذبذب. وفي هذا الإطار، يضيف الخبير في الاسواق الماليّة دانيال البنّا أنّ: "المشكلة ليست فقط بعدد السياح، بل بنوعية الإنفاق. السائح اليوم ينفق بحذر، والمستثمر يراقب عن بُعد، لكنه في الواقع يفضّل التربّص قبل اتخاذ أي قرار بالدخول في أي مشروع حتى ولو كان في القطاع السياحي".
فالتحوّل العكسي والأوضاع الصعبة تنعكس مباشرة على قطاعات المطاعم والفنادق، التي باتت تعتمد على "موجات" قصيرة من النشاط بدل موسم مستقر خاصة بعد انتشار أخبار إلغاء المهرجانات الكبرى في لبنان.
السيناريو الثالث: صيف "الانهيار الصامت"
أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في توسّع رقعة التصعيد، ما يؤدي إلى ضربة مزدوجة للسياحة والتحويلات. في هذه الحالة، قد يتراجع تدفّق الدولار بشكل ملموس، ما يضغط مباشرة على الاستهلاك المحلي ويعيد الاقتصاد إلى مسار انكماشي.
تعتمد الدورة الاقتصادية اللبنانية اليوم بشكل شبه كامل على التدفقات النقدية الخارجية. وقد ساهم ذلك في تحقيق نمو محدود في حدود ٣٪ إلى ٣.٥٪ خلال العام الماضي، لكنه نمو هشّ وغير مستدام. التحويلات كانت أكثريتها من دول الخليج التي شملتها موجة الهجمات الإيرانية وأثرت سلبًا على اقتصادها وفرض قيود على التحويلات إلى لبنان.
صيف لبنان ٢٠٢٦ ليس مجرد موسم سياحي، بل لحظة اختبار حقيقية لاقتصاد يقف على حافة التوازن. بين مليارات مهدّدة بالتراجع وفرص محدودة للانتعاش، يبقى المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات. في بلدٍ يعيش على الأمل أكثر مما يعيش على الأرقام، يبدو أن صيف لبنان هذا العام، قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة بأكملها.

