محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
من الصعب جدًا التعامل مع العدوان الإسرائيلي الأخير على الضاحية كعملية مرتبطة حصراً بهدف عسكري مباشر، لأن التوقيت هنا يبدو أكثر أهمية من الهدف نفسه، فإسرائيل التي امتنعت طوال المرحلة الماضية عن توسيع دائرة الاستهداف إلى عمق الضاحية بهذا الشكل، تعرف تماماً أن أي ضربة في هذا المكان لا بد أن تقرأ سياسياً وإقليمياً ونفسياً أيضاً.
يبدو واضحاً أن ما جرى في الضاحية يحمل رسائل ضغط متعددة الاتجاهات، بعضها يتصل بلبنان، وبعضها الآخر يتصل مباشرة بإيران وبالمسار الإقليمي كله.
في هذا التوقيت تحديداً، تؤكد مصادر سياسية متابعة أنه يصعب فصل ما جرى في بيروت عن المشهد التفاوضي القائم بين واشنطن وطهران، حتى ولو كانت صورة هذا المسار لا تزال ضبابية وغير واضحة بالكامل، مشيرة الى أن نتانياهو الذي يعيش أزمته السياسية والعسكرية الداخلية يدرك أن أي تقدم فعلي في التفاهم الأميركي الإيراني يعني تلقائياً اقتراب لحظة تهدئة إقليمية كبرى، وهذا آخر ما يريده الرجل الذي بنى بقاءه السياسي على استمرار الحرب وتوسيع ساحات الاشتباك.
لذلك تبدو الضربة وكأنها محاولة استباقية لتخريب أي مناخ إيجابي محتمل، أو على الأقل رفع مستوى التوتر إلى حد يجعل العودة إلى التهدئة أكثر تعقيداً، لأن الإسرائيلي يعرف أن استهداف الضاحية يضع المقاومة أمام اختبار حساس يتعلق بقواعد الاشتباك وبصورة الردع نفسها، فمنذ بداية المواجهة حاولت إسرائيل تدريجياً تعديل الحدود التي تحكم الاشتباك، والانتقال من استنزاف الجنوب إلى فرض واقع يسمح لها بضرب العمق اللبناني متى تشاء ومن دون أثمان حقيقية، ولذلك فإن الاعتداء يحمل أيضاً محاولة واضحة لكسر المعادلات التي تحاول المقاومة تثبيتها منذ أيام لمنع تكرار مرحلة الأشهر الماضية، سواءً عبر الرد على الخروقات أو عبر منع العدو من فرض حرية حركة كاملة في الأجواء والساحة اللبنانية.
وفي خلفية ذلك كله، يوجد بحسب المصادر عامل لا يقل أهمية، وهو الخسائر والاستنزاف الذي يتكبده الجيش الإسرائيلي في معارك الجنوب، فتل أبيب تدرك أن المعركة هناك لم تنجح في تحقيق الحسم الذي وُعد به الإسرائيليون، وأن المقاومة لا تزال قادرة على إدارة استنزاف طويل، ومن هنا يصبح التصعيد ضد الضاحية جزءاً من محاولة نقل الضغط من الجبهة العسكرية إلى البيئة السياسية والشعبية والنفسية، عبر الإيحاء بأن استمرار المعركة سيعني تعريض العمق اللبناني كله للخطر.
وترى المصادر عبر "الأفضل" أن الضربة تحمل رسالة مباشرة إلى الدولة اللبنانية نفسها، في لحظة تشهد تباينات وضغوطاً كبيرة حول شكل المرحلة المقبلة، فالإسرائيلي ومعه الأميركي يحاولان منذ مدة الدفع نحو فصل المسار اللبناني عن أي تفاوض إقليمي أوسع، وإظهار لبنان كملف مستقل يمكن الضغط عليه وعزله عن التوازنات التي تحكم المنطقة. لكن المواقف الأخيرة الصادرة في لبنان، سواء من رئيس الجمهورية برفضه الحديث عن لقاء مع نتانياهو، أو من رئيس المجلس النيابي عبر ربطه المسار اللبناني بمآلات التفاوض الأميركي الإيراني، أو حتى من رئيس الحكومة في ما يتعلق برفض الذهاب إلى تفاوض مباشر بالشروط الإسرائيلية، كلها مؤشرات أزعجت تل أبيب وواشنطن معاً، لذلك يمكن فهم الاعتداء أيضاً كأداة ضغط على الدولة اللبنانية لدفعها نحو مزيد من التنازلات السياسية والأمنية، أو لإشعارها بأن رفض الشروط الأميركية والإسرائيلية سيُترجم تصعيداً ميدانياً وأمنياً داخل العمق اللبناني.
وفي العمق، يبدو أن نتانياهو يحاول إبقاء المنطقة كلها داخل دائرة الاشتعال، لأنه يعرف أن توقف الحرب أو الوصول إلى تسويات كبرى قد يفتح فوراً باب المحاسبة الداخلية عليه في إسرائيل، بعد الفشل العسكري والسياسي الذي تكشف خلال الأشهر الماضية. لذلك يصبح التصعيد حاجة شخصية وسياسية له، وليس فقط خياراً عسكرياً.

