عبد الله قمح - خاصّ الأفضل نيوز
الهجوم الإسرائيلي على ضاحية بيروت الجنوبية، ليل أول من أمس، يمكن إدراجه في سياق ما يُعرف بـ«التصعيد المتدرّج» أو «التصعيد المركّب»، أي نقل الحرب من جبهة إلى أخرى.
ومنذ 17 نيسان الماضي، يعيش لبنان حالة من الهدنة الإسمية غير الحقيقية، إذ تحوّل جنوب لبنان إلى منطقة عمليات واستنزاف، مرتبطة بسياق عملياتي أشبه بقواعد اشتباك غير معلنة. فالحرب تُستأنف في الجنوب تحت سقف وقف إطلاق النار، فيما تتوقف الاستهدافات في بيروت.
وللانتقال من جبهة إلى أخرى، لا تحتاج إسرائيل إلى حجة بقدر ما تحتاج إلى ظرف سياسي - أمني، وهو ما توافر بوضوح ليل الأربعاء - الخميس. فقد كانت مختلف التقديرات والإجراءات والمصادر، كما التصريحات الأميركية، بما فيها مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تجمع على قرب حصول انفراج أو اتفاق مع الجانب الإيراني. وعليه، بدا القرار الإسرائيلي متجهاً نحو توسيع التصعيد أو تنفيذ «وثبة أمنية» ذات أهداف سياسية، فوقع الخيار على تنفيذ ضربة في عمق الضاحية الجنوبية، تحمل كل خصائص الرسائل السياسية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم العملية باعتبارها محاولة لخلق فصل قسري بين إيران وحزب الله، أو بين طهران ولبنان، بعدما وضعت إيران، عبر تأخير الرد على المقترح الأميركي للاتفاق، ملف لبنان ووقف نشاط الحزب فيه على رأس جدول الأعمال التفاوضي.
وبموازاة التصعيد الإسرائيلي المتدرّج في لبنان، وتوسيع المعركة أمنياً نحو الضاحية، اتبعت الولايات المتحدة، أمس، مقاربة مشابهة في إيران. فرغم كل الحديث عن تقارب يهدف إلى التوصل لاتفاق بمشاركة وتدخل من الصين، استهدفت الولايات المتحدة مناطق في جنوب إيران، بينها جزيرة قشم ومنطقة بندر عباس، إضافة إلى الضاحية الغربية لطهران، أو ما يُعرف بغرب إيران، وذلك في ذروة الحديث التفاوضي.
ويُقال في عالم الدبلوماسية إن الحرب أيضاً شكل من أشكال التفاوض، أي «التفاوض تحت النار»، وهذا تحديداً ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل، سواء في لبنان أو إيران. وخلال الساعات الماضية، كانت معظم الأجواء تميل إلى احتمال شن عدوان جديد على إيران تحديداً.
أما النزاع الجاري في لبنان اليوم، فيمكن اختصاره بالسؤال حول موقع لبنان في المعادلة الحالية: هل سيُدرج ضمن الساحة الإيرانية، بحيث تصبح طهران صاحبة القرار في وقف الحرب والعدوان، أم ضمن المسار الذي تقوده إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة، عبر اتفاق للترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل بصيغة مباشرة ورسمية؟
ما يُتوقع في لبنان هو مزيد من الاعتداءات. وحتى الآن، يتعامل الحزب مع واقع الجبهة على أنها ما زالت في قلب حرب ممتدة، ويظهر ذلك من خلال ارتفاع وتيرة عملياته العسكرية خلال الأيام الماضية، والتي تجاوزت عشر عمليات يومياً. ومن خلال ذلك، يحاول الحزب الإيحاء بأنه جاهز للتصعيد، ويمتلك الإمكانات اللازمة، ومستعد لاستئناف العمليات العسكرية.
في المقابل، يمكن تفسير الضغط الإسرائيلي المتصاعد بأنه محاولة لفرض ضغط سياسي وعسكري على الدولة اللبنانية، ليس فقط لدفعها نحو التفاوض، بل أيضاً نحو التعاون مع إسرائيل في مواجهة وحزب الله، وهو ما تسعى إليه إسرائيل من أي اتفاق محتمل مع لبنان.

