طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
يذهب لبنان إلى جولة جديدة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية الإدارة الأميركية، وسط ظروف سياسية وعسكرية شديدة التعقيد، وفي ظل اختلال واضح في موازين القوى الإقليمية والميدانية. فبحسب البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية بلسان المتحدث باسمها تومي بيغوت، تستضيف واشنطن يومَي 14 و15 أيار الجاري محادثات مكثفة بين لبنان وإسرائيل تهدف، وفق التعبير الأميركي، إلى “الدفع نحو اتفاق شامل للسلام والأمن”، وإرساء “ترتيبات أمنية مستدامة” تشمل ترسيم الحدود، واستعادة السيادة اللبنانية، وفتح مسارات لإعادة الإعمار.
غير أنّ القراءة السياسية العميقة لهذه الجولة تكشف أنّ المشهد أبعد بكثير من مجرد مساعٍ دبلوماسية لتثبيت وقف إطلاق النار، إذ تبدو المفاوضات جزءاً من مشروع أميركي ـ إسرائيلي متكامل لإعادة صوغ التوازنات في لبنان والمنطقة، تحت عنوان الأمن والاستقرار، فيما يتمحور جوهر الضغط حول مسألة نزع سلاح حزب الله وإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية اللبنانية بما يتوافق مع الرؤية الأميركية ـ الإسرائيلية.
ووفق المعطيات المتوافرة حتى الآن، سيدخل الوفد اللبناني إلى الاجتماع التفاوضي الثالث في واشنطن وهو يحمل أوراقاً محدودة جداً، أبرزها المطالبة بتثبيت وقف إطلاق النار كمدخل إلزامي لأي تفاوض سياسي أو أمني، إلى جانب المطالبة بوقف عمليات الهدم والتجريف في القرى الجنوبية، والسعي لتحقيق ثلاثة أهداف أساسية: وقف الأعمال العدائية، الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة النازحين إلى منازلهم.
لكن في المقابل، تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل ممسكتين فعلياً بجدول الأعمال، سواء من خلال طبيعة الملفات المطروحة أو عبر ربط أي تقدم سياسي أو اقتصادي بمسألة سلاح حزب الله. ويزداد الموقف اللبناني هشاشة بفعل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، ما يجعل التفاوض يجري عملياً "تحت النار"، على رغم مطالبة لبنان المسبقة بوقف القصف قبل انعقاد المحادثات.
وعلى رغم الحديث عن "مساعٍ أميركية جدية" لتثبيت الهدنة، فإنّ التصريحات الأميركية الرسمية التي تؤكد أنّ واشنطن “لم تطلب من إسرائيل وقف إطلاق النار” تكشف حدود الوساطة الأميركية، وتؤكد أنّ واشنطن لا تتعامل مع وقف الحرب كشرط مسبق للمفاوضات، بل كأداة ضغط سياسية تُستخدم لتحسين شروط التفاوض على الجانب اللبناني.
لكن التناقض بين الخطاب الأميركي المعلن والممارسات الميدانية يطرح علامات استفهام كبيرة حول طبيعة الدور الأميركي. فبينما تتحدث واشنطن عن "سلام دائم" و"استعادة السيادة اللبنانية"، تستمر إسرائيل في غاراتها الجوية وتوسيع عملياتها البرية جنوباً، وسط غطاء سياسي أميركي واضح يقوم على تكرار مقولة "حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن نفسها"، حسب تعبير "مذكرة التفاهم" التي أعلنتها الخارجية الأميركية في الآونة الأخيرة.
هذا الواقع يدفع إلى الاعتقاد بأنّ الولايات المتحدة لا تؤدي دور الوسيط المحايد، بل تمارس دور الشريك السياسي في إدارة الضغوط على لبنان، عبر الجمع بين المسارين العسكري والدبلوماسي في آنٍ واحد. فالمفاوضات، وفق هذا المنظور، لا تهدف فقط إلى إنهاء الحرب، بل إلى فرض معادلة أمنية جديدة في لبنان، يكون عنوانها الأساسي إنهاء الدور العسكري لحزب الله.
ولم يعد هذا الهدف خافياً، بعدما ربطت الإدارة الأميركية مباشرة أي استقرار دائم بقدرة الدولة اللبنانية على "بسط سلطتها الكاملة" ونزع سلاح الحزب. وقد جاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لتؤكد هذا التوجه حين اعتبر "أن العقبة الأساسية أمام السلام ليست إسرائيل، بل استمرار وجود حزب الله كقوة عسكرية مستقلة عن الدولة".
على أنّ الأخطر في المسار الحالي أنّه يجري، على ما يبدو، ضمن استراتيجية أميركية ـ إسرائيلية أوسع تهدف إلى فصل لبنان عن أي تفاهمات إقليمية، وخصوصاً عن المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية الجارية بصورة موازية.
فالولايات المتحدة تسعى إلى منع إيران من استخدام الجبهة اللبنانية كورقة تفاوض في ملفاتها الكبرى، وخصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي. ومن هنا، يبدو الإصرار الأميركي على التعامل مع المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية كمسار مستقل تماماً عن أي تسويات إقليمية أخرى.
وفي المقابل، تتمسك طهران بضرورة إدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن أي اتفاق شامل مع واشنطن، باعتبار أنّ الجبهات مترابطة سياسياً واستراتيجياً. وهذا التناقض بين الرؤيتين الأميركية والإيرانية يجعل من لبنان ساحة اختبار جديدة للنزاع على النفوذ في المنطقة، ويحوّل المفاوضات الحالية إلى جزء من معركة أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية نفسها.
ولا تخفي واشنطن استخدامها ورقة إعادة الإعمار كوسيلة ضغط وتحفيز في آنٍ واحد.
فالتلميح إلى مساعدات مالية ضخمة للبنان، وإلى إمكانية فتح باب الدعم الدولي والاستثمارات، يأتي بالتوازي مع التصعيد السياسي حول سلاح حزب الله. وبذلك، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية: إما القبول بشروط أمنية وسياسية قاسية مقابل وعود بالاستقرار وإعادة الإعمار، أو مواجهة استمرار الحرب والاستنزاف الاقتصادي والانهيار الداخلي.
غير أنّ هذا الخيار ليس سهلاً، لأن أي محاولة لفرض مسار داخلي لنزع سلاح حزب الله بالقوة أو تحت الضغط الخارجي قد تهدد التوازنات الداخلية اللبنانية الهشة، وتفتح الباب أمام توترات سياسية وأمنية واسعة، وخصوصاً في ظل الانقسام الداخلي حول طبيعة العلاقة مع المقاومة ودورها.
وتكشف جولة التفاوض المرتقبة في واشنطن أنّ لبنان لا يخوض مجرد مفاوضات تقنية حول الحدود أو وقف إطلاق النار، بل يواجه محاولة لإعادة رسم موقعه السياسي والأمني في المنطقة. فالمسار التفاوضي الحالي يجري تحت سقف أميركي ـ إسرائيلي واضح يربط السلام بإعادة تشكيل الواقع اللبناني الداخلي، فيما تُستخدم الحرب والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية كأدوات متكاملة لتحقيق هذا الهدف.
ومن هنا، تبدو مهمة الوفد اللبناني شديدة الصعوبة، ليس فقط بسبب اختلال موازين القوى، بل لأنّ التفاوض يدور في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها الحسابات اللبنانية مع النزاع الأميركي ـ الإيراني، ومع مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط بكامله.
وفي ضوء كل هذه المعطيات، يبقى السؤال: هل يستطيع لبنان حماية مصالحه وسيادته ومنع فرض تسوية أحادية عليه، أم أنّ الضغوط الدولية والإقليمية ستدفعه نحو تنازلات كبرى تحت عنوان "السلام والاستقرار"، على حدّ ما تعلن الولايات المتحدة الأميركية؟

