الياس المر - خاص الأفضل نيوز
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاءت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات العربية المتحدة لتتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية، وتحمل رسائل سياسية واستراتيجية متعددة الاتجاهات، تؤكد مجدداً أن القاهرة ما زالت تمسك بخيوط التوازن العربي، وأن دورها لا يقتصر على حماية الأمن القومي المصري، بل يمتد إلى محاولة إعادة ترميم النظام العربي ومنع انزلاقه نحو مزيد من الانقسامات والمحاور المتصارعة.
أولى الرسائل التي حملتها الزيارة تتعلق بالعلاقة الشخصية التي تجمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالشيخ محمد بن زايد آل نهيان. ففي العلوم السياسية، لم تعد العلاقات الدولية تُدار فقط عبر المؤسسات والاتفاقيات الرسمية، بل أصبحت “الدبلوماسية الشخصية” عاملاً مؤثراً في صناعة القرار، خصوصاً في الشرق الأوسط حيث تلعب الثقة الشخصية بين القادة دوراً حاسماً في تجاوز الأزمات وتبريد النزاعات. ومن هنا، تبدو العلاقة الخاصة بين الرجلين أحد أهم عناصر الثبات في العلاقات المصرية ـ الإماراتية، رغم التباينات التي ظهرت أحياناً في مقاربة بعض ملفات المنطقة.
أما الرسالة الثانية، فتتمثل في محاولة مصر رأب التصدعات العربية، واحتواء أي هوة قد تتشكل داخل البيت الخليجي أو العربي عموماً. فالقاهرة تدرك أن تفكك المنظومة العربية يمنح القوى الإقليمية والدولية مساحة أوسع للتدخل وإعادة تشكيل التوازنات وفق مصالحها. لذلك، تتحرك مصر انطلاقاً من رؤية تعتبر أن الحد الأدنى من التضامن العربي بات ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار سياسي.
وفي البعد الأوسع، تأتي الزيارة في ظل تشكل ما يمكن وصفه بمحور إقليمي رباعي جديد يضم المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان إلى جانب مصر، وهو محور يقوم على تقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، ويهدف إلى إعادة رسم توازنات المنطقة بعيداً عن الاستقطاب الحاد. وفي هذا السياق، تبدو القاهرة معنية بإبقاء الإمارات ضمن الفضاء العربي الاستراتيجي، وعدم تركها تنجرف بالكامل نحو تموضع إقليمي تقوده المصالح المتشابكة مع إسرائيل، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي.
ولا يمكن فصل ذلك عن الرسائل العسكرية والسياسية التي حملتها الزيارة، والتي أعادت التذكير بشعار “مسافة السكة” الذي أطلقه الرئيس السيسي، بوصفه تعبيراً عن استعداد مصر للوقوف إلى جانب الدول الخليجية عند أي تهديد. فالقاهرة تحاول تأكيد أن الأمن الخليجي جزء من الأمن القومي العربي، وأن أي اختلال في التوازن الإقليمي ستكون له تداعيات مباشرة على المنطقة بأسرها.
في المحصّلة، تعكس زيارة السيسي إلى الإمارات محاولة مصرية لإعادة جمع التوازنات العربية، ومنع تحول المنطقة إلى ساحات نفوذ متناحرة. وهي أيضاً رسالة بأن القاهرة ما زالت ترى أن مستقبل الإقليم يُبنى بالشراكات العربية الواسعة، لا بالارتهان لتحالفات ظرفية قد تتغير بتغير المصالح الدولية.

