إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
في لحظةٍ تبدو فيها التحولات الدولية أكثر سرعةً وحدّة منذ نهاية الحرب الباردة، تأتي زيارة الرئيس ترامب المرتقبة إلى الصين بين 13 و15 أيار، كحدث يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي إلى إعادة رسم ملامح النظام العالمي المقبل. فالزيارة لا تجري في سياق ثنائي تقليدي بين أكبر اقتصادين في العالم، بل وسط اشتعال جبهات الطاقة والممرات البحرية، وتصاعد التنافس على النفوذ العالمي، وعودة منطق “المركزية القطبية” حيث تسعى القوى الكبرى إلى إعادة إنتاج مناطق نفوذ واضحة ومغلقة.
الولايات المتحدة التي خاضت خلال العقود الماضية مشروع العولمة والانفتاح الاقتصادي، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى إعادة التموضع وفق منطق القوة الصلبة وحماية المصالح الاستراتيجية المباشرة.
من هنا يمكن فهم اندفاعة واشنطن نحو السيطرة على خطوط الطاقة العالمية، ومحاولات خنق الخصوم اقتصاديًا، وصولًا إلى السيطرة على الموارد والأسواق في أميركا اللاتينية، حيث تعود فنزويلا إلى واجهة الإمداد الدولي بفعل احتياطاتها النفطية الهائلة التي تُقدّر بأكثر من 300 مليار برميل.
في المقابل، تنظر بكين إلى هذه المرحلة باعتبارها محاولة أميركية لاحتواء صعودها الاقتصادي والعسكري. فالصين التي أصبحت ثاني أكبر اقتصاد عالمي بناتج محلي يفوق 18 تريليون دولار، وتُساهم بأكثر من 30% من النمو العالمي، تدرك أن واشنطن لم تعد تتعامل معها كشريك تجاري فقط، بل كمنافس استراتيجي يهدد القيادة الأميركية للنظام الدولي.
لكن المفارقة تكمن في أن التصعيد لا يلغي الحاجة المتبادلة، حجم التبادل التجاري بين البلدين ما يزال يتجاوز 600 مليار دولار سنويًا، فيما ترتبط سلاسل الإنتاج والتكنولوجيا والطاقة بين الطرفين بشكل يصعب فكّه بالكامل، ولذلك، تبدو زيارة ترامب محاولة لفتح قنوات تفاهم تمنع الانزلاق إلى مواجهة اقتصادية أو عسكرية مفتوحة، خصوصًا مع اضطراب الشرق الأوسط وتعثر الملاحة البحرية وارتفاع أسعار النفط.
وفي هذا السياق، يبرز الملف الإيراني كأحد أبرز عناوين التفاهم المحتمل بين واشنطن وبكين. فالتعثر في المفاوضات بين أميركا وإيران يهدد استقرار الطاقة والتجارة العالمية، ما يمنح الصين هامشًا متقدمًا للعب دور الوسيط القادر على إنتاج تسويات وسطية، وتحديدًا في ملف اليورانيوم المخصب، حيث ترفض طهران نقله إلى دول تعتبرها منحازة، فيما تصر واشنطن على إخراجه من إيران، قد تبرز بكين كحل وسط مقبول عبر استضافة المواد المخصبة ضمن آلية رقابة وضمانات دولية، بما يسمح بمنع الانفجار الإقليمي وتسجيل اختراق دبلوماسي تحتاجه جميع الأطراف دون قدرة أيٍّ منها على التراجع العلني.
فالشرق الأوسط عاد مجددًا إلى قلب الصراع الدولي. التوتر في مضيق هرمز والبحر الأحمر، والتصعيد الأميركي – الإيراني، وتعثر المفاوضات النووية، كلها عوامل دفعت بأسعار الطاقة إلى الواجهة.
وفي هذا السياق، تسعى واشنطن إلى تعزيز دور النفط الأميركي في السوق العالمية، مستفيدة من ارتفاع إنتاجها الذي تجاوز 13 مليون برميل يوميًا، في محاولة لتقليل اعتماد الحلفاء وخصومها على نفط الخليج واحتواء النفوذ الروسي والإيراني، فالتنين الصناعي الذي يحتاج لخطوط إمداد مستدامة ومستقرة، سيلبي دعوة ترامب بإرسال سفنه إلى موانئ النفط الأميركيّة أم إنه لن يضع رقبته بيد راعي البقر، أو سيعمد إلى الموازنة والمسايرة، ما الثمن الذي قد تدفعه تايوان فيما لو قبلت الصين إبرام صفقة نفط ؟
في المحصلة، لا يبدو العالم متجهًا نحو حرب باردة كلاسيكية بين واشنطن وبكين، بل نحو مرحلة “تنافس منضبط” يقوم على الصراع الاقتصادي والتكنولوجي والنفوذ الجيوسياسي، مع إبقاء خطوط التواصل مفتوحة. إنها معركة قيادة القرن الحادي والعشرين: أميركا تريد الحفاظ على تفوقها العالمي، والصين تسعى إلى تثبيت نفسها كقوة عظمى كاملة المواصفات. وبين الطرفين، يقف العالم على حافة نظام دولي جديد لم تتضح حدوده النهائية بعد.

