طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
تدخل المفاوضات المقررة في واشنطن هذا الأسبوع بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، مرحلة دقيقة تتداخل فيها الضغوط الميدانية مع رسائل سياسية متناقضة، ما يجعل استشراف مآلاتها مفتوحاً على أكثر من احتمال، من التهدئة الجزئية إلى مزيد من التصعيد.
ففي بيروت، حملت الاتصالات الدبلوماسية بين الرؤساء الثلاثة والسفير الأميركي ميشال عيسى مقاربة لبنانية موحّدة في الشكل على الأقل، تقوم على تشديد رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام على ضرورة الضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار والأعمال العدائية بما يشمل استهداف البنى المدنية وعمليات نسف المنازل وتجريفها، كمدخل أساسي لأي مسار تفاوضي جدي.
وهذا الموقف اللبناني الرسمي يعكس محاولة واضحة لتثبيت الحد الأدنى لأي تفاوض، أي وقف النار أو خفض التصعيد، قبل الانتقال إلى أي بحث سياسي أو تقني. لكن في المقابل، لا تظهر حتى الآن مؤشرات جدية على تجاوب إسرائيلي أو أميركي يوازي هذا المطلب.
وفي المقلب الآخر، تبدو إسرائيل ذاهبة إلى الطاولة التفاوضية من موقع ميداني ضاغط، لا يشي بأي استعداد لوقف العمليات العسكرية مسبقاً. حيث قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الحرب على "حزب الله" يجب أن تستمر حتى لو انتهت الحرب ضد إيران، في إشارة إلى فصل المسارات وربط الجبهة اللبنانية باعتبارات أمنية مستقلة عن أي تسويات إقليمية أوسع.
وكان الأكثر دلالة، ما نقلته القناة 12 الإسرائيلية عن مصدر عسكري، من أن الجيش الإسرائيلي "يستعد ميدانياً لتوسيع العملية البرية في لبنان" على خلفية ما يعتبره "خروقات مستمرة، مع الإشارة إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي بات في جهوزية تسمح للقيادة السياسية باتخاذ قرار بالتوسيع.
وهذا التصعيد في الخطاب السياسي والتحضير الميداني يعكس أن إسرائيل تدخل المرحلة التفاوضية وهي تحتفظ بخيار الضغط العسكري كرافعة أساسية، وليس كبديل عن التفاوض.
وفي المقابل، تتحرك واشنطن ضمن مقاربة تقوم على إدارة الأزمة أكثر من فرض حلّها. فقد أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أنه ناقش مع نتنياهو الرد الإيراني على المقترح الأميركي، واصفاً الاتصال بأنه "لطيف"، في إشارة إلى استمرار التنسيق الوثيق بين الطرفين، من دون أن تتضح ملامح توجه أميركي حاسم في شأن وقف التصعيد في لبنان تحديداً.
كما نقلت تسريبات إعلامية أن ترامب اعتبر أن المفاوضات مع إيران هي "مسؤوليته الخاصة"، في إشارة إلى أن الملف الإقليمي يُدار ضمن حزمة واحدة، حيث تتداخل جبهات لبنان وغزة وإيران في مسار تفاوضي غير معلن بكامله.
وهذا التعقيد يعكس أن واشنطن لا تفصل بين المسارات، لكنها في الوقت نفسه لم تُظهر حتى الآن استعداداً لاستخدام ثقلها الكامل لفرض وقف إطلاق نار في لبنان قبل اجتماع واشنطن، وهو ما يطالب به الجانب اللبناني.
أما في الداخل اللبناني فتتباين المواقف السياسية بشكل واضح.
فقد اعتبر عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب حسين الحاج حسن أن الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية هو "خيار خاطئ سيقود إلى مأزق جديد"، محذراً من أن هذا المسار لن يغيّر في ميزان القوى على الأرض.
وفي المقابل، يربط الخطاب السياسي لحزب الله وحلفائه بين أي تسوية إقليمية محتملة، خصوصاً بين إيران والولايات المتحدة، وبين انعكاسات إيجابية على الجبهة اللبنانية، معتبراً أن وقف الحرب في الإقليم ككل قد ينعكس تهدئة على "محور المقاومة" في لبنان والمنطقة. وهذا التداخل بين المحلي والإقليمي يعكس أن الموقف اللبناني ليس موحداً بكامله، بل يخضع لتباينات عميقة حول شكل التفاوض وحدوده ونتائجه المحتملة.
وعلى المستوى الإقليمي، برزت إشارات إيرانية غير مباشرة تفيد بأن أي تفاهم مع الولايات المتحدة يجب أن يأخذ في الاعتبار وقف الحرب على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، إضافة إلى ملفات أمنية أخرى كأمن الملاحة في مضيق هرمز.
وهذا الربط بين الجبهات يعكس أن لبنان ليس ملفاً منفصلاً في الحسابات الإقليمية، بل جزء من معادلة أوسع بين واشنطن وطهران، ما يمنح الجبهة اللبنانية بعداً تفاوضياً يتجاوز حدودها المحلية.
واستنادًا إلى هذه المعطيات، تبدو مفاوضات واشنطن أمام ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة هو حصول خفض نسبي للتصعيد من دون وقف شامل لإطلاق النار، بما يسمح باستمرار التفاوض ضمن خطوط تماس منخفضة التوتر.
والاحتمال الثاني أن تخرج اجتماعات واشنطن بنتيجة أساسية هي استمرار المسار التفاوضي من دون اختراقات جوهرية، مع بقاء الوضع الميداني تحت السيطرة المتوترة.
أما الاحتمال الثالث فهو فشل أي تفاهم على الحد الأدنى من التهدئة، مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، ما قد يدفع الأمور نحو توسيع المواجهة بدلًا من احتوائها.
وفي أي حال بين الضغط اللبناني لوقف إطلاق النار والتصعيد الإسرائيلي الميداني والوساطة الأميركية غير الحاسمة والانقسام الداخلي اللبناني، والتشابك الإقليمي مع الملف الإيراني، تبدو مفاوضات واشنطن المقبلة أقرب إلى اختبار توازنات دقيقة منها إلى محطة تسوية نهائية. إنه مسار مفتوح على احتمالات متناقضة: تهدئة هشّة، أو إدارة طويلة للأزمة، أو انزلاق نحو تصعيد أكبر، في ظل غياب الضمانات التي يمكن أن تحوّل التفاوض من إطار إدارة النزاع إلى مدخل فعلي لإنهائه.

