ربى اليوسف - خاصّ الأفضل نيوز
ليس سهلًا أن تسمع اسم بلدتك في بيان عسكري، أو على شاشة عاجلة، مرفقًا بكلمة واحدة: "إخلاء".
في البقاع الغربي، بدأت الحكاية بزلايا وقليا، ثم مشغرة، واليوم وصلت إلى سحمر عند الرابعة فجراً، فيما الناس نيام لا ينتظرون سوى صباحٍ عادي.
في تلك اللحظة، لا يعود المكان مجرد جغرافيا، بل يتحوّل إلى مساحة معلّقة بين الخوف والانتظار. أن تُنذَر بلدة بالإخلاء يعني، في المعنى المباشر، أنّها دخلت دائرة الخطر، وأنّ احتمالات الاستهداف أصبحت قريبة بما يكفي لدفع الناس إلى مغادرة بيوتهم حفاظًا على حياتهم.
لكنّ المعنى الحقيقي يتجاوز الجانب الأمني بكثير، لأنّ الإخلاء لا يقتصر على خروج السكان من المنازل، بل يطال شعور الإنسان نفسه بالاستقرار والانتماء.
فالبلدة ليست بيوتًا مرصوفةً على طرف الطريق، بل روحٌ كاملة تعيش في تفاصيلها الصغيرة. هي زمّور بائع الخضار الذي يوقظ الصباح قبل الشمس، فتطلّ النسوة من "البرندات" بوجوهٍ نصف ناعسة ونصف مطمئنّة للحياة، هي رائحة المناقيش المختلطة بالقهوة، وصوت أمّ تنادي ابنها من آخر الحارة، وضحكات الجارات التي كانت تملأ المساءات أكثر من الضوء نفسه.
هي الطريق التي تحفظ وقع أقدام أهلها، والدكّان الذي يعرف أسماء الزبائن وديونهم وهمومهم، والكرسيّ الفارغ أمام البيت الذي ينتظر صاحبه كل ليلة.
وفي الزوايا نفسها، تعيش قطط الحي كأنها جزء من ذاكرة المكان: "بمبة" التي تختبئ دائمًا تحت سيارة قديمة، "سوسو" التي ترفض أن يلمسها أحد، "بسكوتة" و"جاسوسة" اللتان تتقاسمان مراقبة المارة بحثًا عن أي لقمة طعام تسقط من يد أحد، "عقيد الحارة" الذي يجمع أخبار الآخرين "كأمّ زكي" الحي، لا يفوته تفصيل ولا تمرّ عليه حكاية، و"أبو ذيل" الذي يعرف طريقه إلى كل عتبة دون أن يخطئ مرة واحدة.
هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة من الخارج، هي بالضبط ما يجعل المكان حيًّا، لأن البلدة لا يسكنها الناس وحدهم، بل تسكنها أيضًا تلك الكائنات التي تحفظ إيقاعها اليومي، وتغيب معها حين يغيب الأمان.
لذلك، حين يأتي إنذار الإخلاء فجأة، لا يهرب الناس من الخطر فقط، بل يخرجون وكأنّ أحدًا اقتلع أعمارهم من مكانها، يتركون فناجين القهوة على الطاولات، والأغطية الدافئة فوق أسرّة الأطفال، ويغادرون بقلوبٍ بقي نصفها معلّقًا خلف الأبواب.
في لبنان، تحمل كلمة "إخلاء" ثقلًا إضافيًا، لأنّ الذاكرة الجماعية مليئة بصور النزوح والحروب والبيوت التي تُركت على عجل؛ لذلك، حين يُطلَق إنذار جديد، يعود القلق القديم نفسه: هل سنعود؟ هل ستبقى البيوت واقفة؟ هل ستظل البلدة كما عرفناها؟.
وخلال لحظات الإخلاء، تتغيّر أولويات الناس بسرعة قاسية، تصبح الحقيبة الصغيرة أهم من الأثاث، والاتصال بالأقارب أهم من أي شيء آخر، وتتحوّل النجاة إلى الهدف الوحيد، حتى التفاصيل البسيطة - كإطفاء الضوء، إغلاق الباب، أو النظر الأخير إلى الشرفة تكتسب معنى ثقيلًا، لأنّ أحدًا لا يعرف متى ستكون العودة.
ورغم كل ذلك، يبقى في مشهد الإخلاء شيء من التمسّك الصامت بالأرض؛ فالناس، مهما ابتعدوا، يحملون بلداتهم معهم: في اللهجة، والذكريات، والخوف عليها، وانتظار خبر يطمئنهم أنّ المكان ما زال موجودًا كما تركوه.
لهذا، فإنّ إنذار بلدة بالإخلاء ليس مجرد إجراء ميداني عابر، بل لحظة إنسانية قاسية تختصر هشاشة الأمان في مناطق الصراع، وتكشف كيف يمكن لكلمة واحدة أن تغيّر حياة آلاف الناس خلال دقائق.
وكما يقول غاستون باشلار: "البيت هو عالم الإنسان الأول، حيث يتعلّم أن يحلم قبل أن يتعلّم أن يفكّر"؛ فحين يُنتزع الإنسان من بيته، لا يُنتزع من مكانٍ فقط، بل من طبقةٍ كاملة من ذاكرته، من الحلم الأول الذي صنع إحساسه بالأمان.

