محمد علوش - خاصّ الأفضل نيوز
من الواضح أن رسالة الشيخ نعيم قاسم الأخيرة تشكل باباً لجلوس اللبنانيين على طاولة واحدة، لأن ما يحاول الحزب قوله فعلياً يتجاوز مسألة الرد على الضغوط الخارجية أو توضيح موقفه من السلاح، إلى محاولة إعادة رسم شكل العلاقة بين المقاومة والدولة، حيث يبدو أن الجميع يدرك أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة ترتيب واسعة، وأن لبنان سيكون جزءاً مباشراً من نتائجها.
اللافت في الكلام هنا أن الحزب تعمد للمرة الأولى منذ فترة طويلة إعطاء أولوية واضحة للسلطة اللبنانية في ملف التفاوض، عبر القول إن مسؤولية تحقيق الأهداف السيادية تقع على عاتق الدولة اللبنانية نفسها، لا على عاتق المقاومة وحدها ولا على عاتق أحد في الخارج. هذه النقطة ليست تفصيلاً، لأنها تعكس محاولة واضحة لإعادة تموضع سياسي داخلي، يقوم على تقديم الحزب نفسه كطرف مستعد للتعاون مع الدولة وليس بديلاً عنها، خصوصاً بعد المرحلة الماضية التي ظهر فيها الانقسام اللبناني حاداً حول شكل إدارة المواجهة مع إسرائيل وكيفية التفاوض لوقف العدوان.
الحزب هنا لا يتراجع عن المقاومة ولا يقدّم تنازلاً استراتيجياً، لكنه في الوقت نفسه يحاول سحب الذرائع من يد خصومه الداخليين والخارجيين الذين عملوا طوال الأشهر الماضية على تصويره كأنه يعطّل الدولة أو يمنعها من الإمساك بالقرار السياسي. لذلك جاء التشديد على النقاط الخمس بشكل متكرر وهي وقف العدوان، الانسحاب الإسرائيلي، تحرير الأسرى، عودة الأهالي، وإعادة الإعمار، وكأن الحزب يقول إن الأولوية الآن ليست لفتح نقاش داخلي حول السلاح أو هوية لبنان السياسية، بل فرض الحد الأدنى من الحقوق الوطنية أولاً، وبعدها لكل حادث حديث.
الأهم من ذلك أن الحزب بدا وكأنه يلتقط التحول النسبي في موقف السلطة اللبنانية خلال الأسابيع الأخيرة. فبعد مرحلة بدت فيها بعض مراكز القرار اللبنانية أقرب إلى مناخ الضغوط الأميركية، عاد الخطاب الرسمي ليتحدث أكثر عن السيادة ورفض الإملاءات وطبيعة ما يمكن الوصول إليه بالتفاوض. هنا تحديداً يظهر أن الحزب يحاول الاستثمار في هذا التبدل، عبر الاقتراب منها أكثر، وإظهار نفسه كجزء من موقف لبناني موحد يمكن أن يفاوض من موقع قوة لا من موقع انقسام، ولهذا السبب أيضاً كان التركيز على رفض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، فالحزب يعرف أن أي انتقال إلى هذا النوع من التفاوض سيُستخدم إسرائيلياً وأميركياً لإظهار لبنان وكأنه دخل عملياً في مسار تطبيع سياسي وأمني، أو على الأقل في مسار تنازلات تدريجية تحت عنوان الواقعية السياسية. لذلك يحاول تثبيت معادلة تقول إن التفاوض غير المباشر يكفي لتحقيق الأهداف اللبنانية، خصوصاً أن أوراق القوة الميدانية ما تزال موجودة، وأن إسرائيل نفسها لم تستطع حتى الآن فرض شروطها بالكامل رغم حجم الدمار والضغط العسكري.
لكن في العمق، يبدو أن الحزب يرسل رسالة مزدوجة، الرسالة الأولى للخارج، ومفادها أن الضغط العسكري لن يؤدي إلى تفكيك المقاومة أو انتزاع ملف السلاح بالقوة السياسية أو العسكرية، أما الرسالة الثانية فهي للداخل اللبناني، وفيها نوع من الانفتاح المدروس على فكرة تنظيم العلاقة بين المقاومة والدولة ضمن استراتيجية أمن وطني أوسع، شرط ألا يتم ذلك تحت النار أو تحت الإملاءات الخارجية.
ومن هنا جاء الاستناد إلى خطاب القسم للرئيس جوزيف عون، فاستحضار هذا المقطع هو محاولة لإظهار أن النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية يمكن أن يكون نقطة التقاء داخلية لا نقطة اشتباك، وأن الحزب مستعد للذهاب إلى هذا النقاش عندما تتوقف الحرب ويستعيد لبنان شيئاً من توازنه.
بمعنى آخر، الحزب يحاول القول إنه لا يرفض فكرة الدولة القوية أو تنظيم السلاح ضمن رؤية وطنية، لكنه يرفض أن يتحول ذلك إلى شرط إسرائيلي أو أميركي يُفرض على لبنان مقابل وقف العدوان.
كل ذلك يوحي بأن الحزب يحاول فعلاً الاقتراب أكثر من السلطة اللبنانية في هذه المرحلة، لأنه يدرك أن المرحلة المقبلة ستكون سياسية بقدر ما هي عسكرية، وأن حماية المقاومة قد تمر هذه المرة عبر بناء مظلة داخلية أوسع، تمنع عزلها داخلياً وتُفشل محاولات تحويل الانقسام اللبناني إلى أداة ضغط عليها.

