طارق الحجيري - خاص الأفضل نيوز
في لبنان المنهك بالحروب والأزمات والخطابات المتشنجة، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تعريف معنى "الخطاب الوطني". فبعد سنوات طويلة من الاستثمار السياسي في الغرائز الطائفية والتخوين ورفع السقوف الشعبوية، باتت الحاجة إلى لغة سياسية واقعية ومتوازنة أكثر من ضرورة، لغة يكون عنوانها حماية الدولة بدل استنزافها، والبحث عن التسويات بدل تكريس القطيعة.
هذه الضرورة لا تأتي من فراغ، بل نتيجة إدراك داخلي عام ووعي فعلي بحجم المخاطر.
فالانهيار الذي أصاب لبنان لم يعد يحتمل ترف المغامرات السياسية أو الخطابات التعبوية التي تُشعل الشارع ولا تُنتج حلولًا. وبعد خسارة اللبنانيين أمانهم الاقتصادي والاجتماعي وضياع جنى أعمارهم في المصارف، لم تعد تعنيهم بخطابات الاستقواء بقدر ما يبحثون عن خطاب عاقل يطمئنهم إلى وجود دولة قادرة على احتواء أزماتهم.
التفاوض لحماية الاستقرار
برزت في الآونة الأخيرة مقاربات مختلفة في عدد من الملفات الحساسة، أبرزها ملف التفاوض لحماية لبنان من الانزلاق نحو حرب مفتوحة، وملف العفو العام الذي عاد إلى الواجهة بوصفه قضية وطنية لا مادة للاستثمار الطائفي.
في ملف التفاوض، مهما اختلفت الآراء حول شكله ومضمونه، فإنّ مجرد اعتماده كصيغة لحماية لبنان يُشكّل مدخلًا وطنيًّا سليمًا. كما أنّ خفض لغة التهديد المتبادل والاتجاه نحو البحث عن ضمانات ومصالح وطنية يُعدّ تطورًا سياسيًّا مهمًّا. فالدول لا تُدار بالشعارات فقط، بل بحسابات دقيقة تتعلق بأمن الناس واستقرارهم وبناء مستقبلهم. والخطاب الوطني الحقيقي هو الذي يوازن بين الثوابت الوطنية وضرورات حماية المجتمع من الانهيار، ويحفظ الدولة كمرجع أوحد يعلو ولا يُعلى عليه.
العفو العام وخطاب الدولة
أما في ما يخص العفو العام، فإنّ الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الاستثمار في المخاوف الطائفية، ولا إلى مزيد من الشحن وتبادل التهم بالتعطيل، بل إلى مقاربة إنسانية عادلة وشاملة تُعيد الثقة بمفهوم العدالة نفسه. فالعدالة لا تكون انتقائية، ولا تتحول إلى أداة سياسية تُستخدم وفق موازين القوى.
لقد وصل الخطاب السياسي في لبنان خلال السنوات الماضية إلى مستويات غير مسبوقة من الانحدار، حيث تحوّلت المنابر السياسية والإعلامية إلى ساحات اشتباك دائم، وغابت لغة الدولة لمصلحة الاصطفافات الحادة.
لكن الأزمات التي عاشها اللبنانيون تؤكد للجميع أن لا أحد قادر على إلغاء أحد، ولا مصلحة لأي طرف في سقوط الهيكل فوق الجميع.
المصلحة الوطنية اليوم تحتاج إلى خطاب تسووي هادئ بدل تكريس الانقسامات، وإلى لغة تُعيد الاعتبار لفكرة الدولة كمرجعية جامعة لا كساحة نزاع دائم. فلبنان لم يعد يحتمل مزيدًا من خطابات التوتير والتخوين، بل يحتاج إلى ممارسة سياسية راشدة تُكرّس الاستقرار وتمنح اللبنانيين أملًا بالخروج من دوامة الانهيار.

