كريستال النوّار - خاص الأفضل نيوز
لم تعد الصحّة النفسيّة رفاهيّة أو موضوعاً يُناقَش فقط في الندوات وورشات العمل الموسميّة، بل أصبحت جزءاً من يوميّات المواطنين. لذلك، يأتي الشّهر العالمي للتوعية بالصحّة النفسيّة هذا العام ليس كشعارٍ عابر، بل كتذكير ضروري بأنّ الإنسان لا يستطيع أن يستمرّ في حياته إذا انهار واستسلم من الداخل.
طبعاً، الانهيار واقعٌ مرير وليس حديثاً نمرّ عليه مرور الكرام. ففي بلدٍ عاش في الفترة الأخيرة انهياراتٍ اقتصاديّة وضغوطاً اجتماعيّة وخوفاً دائماً من الغد، صار التعب النفسي جماعياً ولم يعد حالة فرديّة. يُمكن ملاحظة أنّ سؤال "كيفك؟" لم يعد ذا أهمية كالسابق، لأنّ الجميع يعرف جوابه، فيوفّر الإنسان على نفسه وعلى الآخر مُعاناة السؤال وتملّق الإجابة. فالضّغوط المتواصلة تنهك المواطن. من غلاء في الأسعار، واستقرار مفقود، وأمان غائب، ومستقبل ضبابي، وأخبار لا تمنح أحداً أيّ فسحة أمل... حتّى أبسط التفاصيل التي كانت عاديّة في السابق، تحتاج اليوم إلى قدرة تحمّل إضافيّة.
لكن، وسط كلّ هذا "الجحيم"، هناك حقيقة مهمّة: الناس ما زالوا يكملون حياتهم. وهذه ليست جملة تحفيزيّة، بل واقع. اللبناني الذي يذهب إلى عمله رغم الإحباط ويحاول أن يضحك رغم التعب، ويجهد لمساندة عائلته وأصدقائه رغم الضيق، يقدّم شكلاً من أشكال المقاومة النفسيّة، حتى لو لم يسمِّه كذلك. هنا يمكن الحديث عن أهمية التوعية بالصحّة النفسيّة، فهي لا تعني فقط الذهاب إلى معالج نفسي، بل تبدأ بخطوات أبسط، وهي أن يعترف الفرد بأنّه متعب، وأن يتوقّف عن جلد نفسه لأنّه لم يعد قادراً على تحمّل كلّ شيء وحده، وأن يفهم أنّ القلق ليس ضعفاً بل ردّة فعل طبيعيّة على ظروف غير طبيعيّة.
وللمفارقة، تمّ اختيار موضوع هذا العام ليكون "أيام أكثر جيّدة، معاً" أو "More Good Days, Together"، للحضّ على التأمّل في ما يعنيه "اليوم الجيّد"، سواء لأنفسنا أو لمجتمعاتنا. ونظراً لِما نعيشه في السنوات الأخيرة، قد يكون هذا العنوان مناسباً جدًّا للبنانيين.
هنا، يُشير الأستاذ المتخصّص بعلم النفس السياسي الدكتور رمزي أبو اسماعيل إلى أنّ "الحرب لا تُدمّر الحجر فقط، ولا توقف الحياة بالمفهوم المادي، بل تؤثّر على الإنسان وعلى طريقة تفكيره وروتينه اليومي وعلاقاته الاجتماعية وعلى شعوره بالأمل والأمان والتخطيط للمستقبل". ويقول في حديث لموقع "الأفضل نيوز": "بكرا صار شي صعب"، فلم نعد قادرين على التخطيط للغد وسط حالة الخوف الدائمة والقلق من أيّ حدث قد يُغيّر مجرى الأيام، وهذه الإشكالية الأكبر في ما يتعلّق بالتأثير على الصحّة النفسيّة".
ويُضيف أبو اسماعيل: "عندما نتكلّم عن more good days together، هذا يعني أن تكون لدينا أيّام أفضل سوياً، كأن نتكلّم عن نظام يساهم بإعطاء شعور بالطمأنينة والأمان والاستمرارية، بشكل جماعي". ويستطرد قائلاً: "النظام في لبنان عاجز عن منحنا الأمان المادي والمعنوي والنفسي، أمّا الأمر الإيجابي فيكمن في وجود شبكة أمان اجتماعيّة... الناس ما زالت تحاول مساعدة غيرها، وهذا أمر ممتاز ويجب أن نستفيد منه ونطوّره".
ومن أكثر الأمور التي تستنزف الفرد اليوم، الشعور بأنّه "عالق"، كأنّ الحياة متوقّفة بين محاولة النجاة وبين انتظار شيء أفضل قد لا يأتي. لذلك، فإنّ الاهتمام بالصحّة النفسيّة ليس ترفاً بل ضرورة للبقاء متوازنين. وهنا، ليس المطلوب أن تكون سعيداً طوال الوقت، ولا أن تتصرّف كأنّ الأمور بخير دائماً. المطلوب فقط ألّا تنسى نفسك وسط الفوضى. لذلك يقول أبو اسماعيل: "ليس المطلوب أن نكذب على بعضنا البعض ونقول be positive، لكي نكون إيجابيين، فهذا لا يكفي. يمكن الاعتراف بأننا لسنا بخير ولسنا إيجابيين، وأنّ لا شيء يسير على ما يرام، ونطلب المساعدة إذا كنّا بحاجة إليها"، مشدّداً على أهمية تكريس فكرة أننا بحاجة إلى شبكة أمان "والناس توقف حدّ بعضها وتسأل عن بعضها. بحاجة الواحد يقول أنا مش منيح ويفسّر ليش".
أخيراً، قد لا يستطيع أحدٌ تغيير الواقع، لكن يمكن لكلّ شخص أن يحاول حماية نفسه من الانهيار الكامل؛ أحياناً عبر الراحة أو الحديث مع شخص مقرّب أو الابتعاد قليلاً عن الضجيج والأخبار، أو حتى منح الذات فرصة لالتقاط أنفاسها من دون شعور بالذنب.
ومن المهمّ ألّا ننسى أنّ القوّة الحقيقيّة ليست في التظاهر بأنّنا لا نتأثّر، بل في أن نكمل رغم التأثّر، وأن نعترف بالتعب لكن لا نستسلم له، وأن نفهم أنّ الصمود لا يعني القساوة، بل القدرة على متابعة الطريق ولو بخطوات صغيرة، في بلدٍ يجعل أبسط الأمور عبارةً عن "معركة يوميّة".

