نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
شهد لبنان خلال السنوات الأخيرة ظروفاً استثنائية جعلته يواجه واحدة من أصعب المراحل، حيث تشابكت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بشكل أثّر بطريقة مباشرة على حياة المواطنين واستقرارهم. فقد أدّت الأزمة الاقتصادية الحادة إلى تراجع القدرة المعيشية لمعظم العائلات اللبنانية، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق، في ظل تدهور الخدمات الأساسية من كهرباء واستشفاء وتعليم. كما فاقمت هذه الأوضاع من شعور الناس بعدم الاستقرار والخوف على مستقبلهم، خاصة مع استمرار التوترات السياسية والأمنية التي أثقلت كاهل المجتمع اللبناني.
ومع تصاعد الاعتداءات والتوترات الأمنية في بعض المناطق، لا سيما في الجنوب والمناطق الحدودية، اضطرت آلاف العائلات إلى ترك منازلها والنزوح نحو مناطق أكثر أماناً.
وقد شكّل هذا النزوح أزمة إنسانية واجتماعية كبيرة، لأنّ العائلات لم تفقد فقط منازلها وممتلكاتها، بل فقدت أيضاً إحساسها بالاستقرار والعيش بشكل طبيعي. وكان الأطفال من أكثر الفئات تأثراً بهذه الظروف، إذ وجدوا أنفسهم فجأة بعيدين عن مدارسهم وأصدقائهم وبيئتهم المعتادة، ما انعكس على أوضاعهم النفسية والاجتماعية والتعليمية.
المدرسة كخط دفاع إنساني
وأمام هذا الواقع الصعب، برزت المدارس اللبنانية كمؤسسات لعبت دوراً وطنياً وإنسانياً أساسياً في احتضان النازحين واستقبالهم. فقد فُتحت أبواب العديد من المدارس لتتحول إلى مراكز إيواء مؤقتة تؤمّن للعائلات الحماية والأمان، في خطوة تعبّر عن روح التضامن والمسؤولية الاجتماعية في المجتمع اللبناني. ورغم الإمكانات المحدودة والضغوط الكبيرة التي تعاني منها المؤسسات الرسمية، استطاعت المدارس أن تؤدي دوراً مهمًا في التخفيف من معاناة النازحين، خاصة الأطفال الذين كانوا بحاجة إلى الشعور بالأمان والاستقرار.
لكن أهمية هذه التجربة لم تقتصر على تأمين المأوى فقط، بل ظهرت من خلال تحويل المدارس إلى مساحات تجمع بين الإيواء المنظّم والتعليم والدعم النفسي والاجتماعي. فالمدرسة لم تعد مجرد مكان لتلقي الدروس، بل أصبحت مساحة للحماية الإنسانية وإعادة بناء الشعور بالأمان لدى الأطفال. وقد أدركت إدارات المدارس والمعلمون أن الحفاظ على حق الأطفال في التعليم خلال الأزمات أمر ضروري، لأنّ التعليم لا يمنح الطفل المعرفة فقط، بل يساعده أيضاً على التمسك بحياته الطبيعية ومواجهة الخوف والقلق الناتجين عن النزوح.
ومن هنا، سعت مجموعة من المدارس إلى تنظيم عملية الإيواء بطريقة تسمح باستمرار العملية التعليمية قدر المستطاع، مع تخصيص مساحات للإقامة وأخرى للتعليم والأنشطة التربوية. كما عمل المعلمون والمتطوعون على تقديم الدعم النفسي للأطفال وغيرهم من خلال الأنشطة الفنية والرياضية والترفيهية التي ساعدتهم على التعبير عن مشاعرهم والتخفيف من آثار الصدمة والخوف. وقد ساهمت هذه الأنشطة في خلق جو من التفاعل الإيجابي بين الأطفال النازحين وغير النازحين، ما عزز روح التعاون والتضامن بينهم.
الانعكاسات الاجتماعية
وعلى الصعيد الاجتماعي، أظهرت هذه التجربة صورة إيجابية عن المجتمع اللبناني رغم كل الصعوبات التي يمر بها. فقد برزت مبادرات فردية وجماعية عديدة لدعم العائلات النازحة، حيث شارك الأهالي والجمعيات المحلية والمتطوعون في تأمين الاحتياجات الأساسية للأطفال والعائلات، من طعام وملابس ومواد تعليمية. كما ساهم هذا الواقع في تعزيز قيم إنسانية واجتماعية مهمة.
كذلك، ساعدت المدارس على تعزيز الروابط الاجتماعية بين النازحين والمجتمع المضيف، إذ خلقت بيئة مشتركة قائمة على التفاعل اليومي والتعاون، ما خفف من شعور العائلات بالعزلة أو الغربة. وأصبح للمدرسة دور اجتماعي يتجاوز التعليم، يتمثل في بناء العلاقات الإنسانية ونشر ثقافة التضامن والتعايش، وهو ما يعكس أهمية المؤسسات التربوية في الحفاظ على تماسك المجتمع خلال الأزمات.
التضامن في زمن الأزمات
ورغم التحديات التي واجهت المدارس نتيجة الاكتظاظ ونقص الموارد والضغوط الاقتصادية، فإنّ هذه التجربة أثبتت قدرة المجتمع اللبناني على الصمود والتكيّف الإيجابي مع الظروف الصعبة. فقد تحولت الأزمة، ولو جزئياً، إلى فرصة لإظهار أهمية التعاون بين الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات التربوية.
وفي النهاية، يمكن القول إنّ تجربة استقبال النازحين في المدارس اللبنانية شكّلت نموذجًا إنسانيًّا واجتماعيًّا مهمًّا، أظهر أنّ المدرسة ليست مجرد مكان للتعلّم، بل فضاء للحماية والدعم وبناء الأمل. كما أكدت هذه التجربة أنّ التضامن الاجتماعي والتعليم يشكلان عنصرين أساسيين في مواجهة الأزمات، وأنّ حماية الأطفال نفسيًّا وتربويًّا هي مسؤولية جماعية تسهم في الحفاظ على مستقبل المجتمع واستقراره.

