عماد مرمل - خاصّ الأفصل نيوز
رغم كل المحاولات الدبلوماسية التي بذلتها السلطة لتثبيت وقف إطلاق النار الممدد له، ورغم أن المفاوضات المباشرة تنتقل من فصل إلى آخر، إلا أن تل أبيب تواصل اعتداءاتها على الجنوب والبقاع الغربي اللذين تم استثناؤهما من الهدنة المبتورة، ما أبقى لبنان عالقا في عنق الزجاجة.
وهناك في الأوساط السياسية من يلفت إلى أن العدو الإسرائيلي لا يجد نفسه مضطرا إلى تقديم أي تنازل أو إعطاء أي إشارة إيجابية إلى لبنان، ما دامت بيروت تبالغ في إبداء المرونة السياسية وحسن النية، وتستمر في اعتماد سياسة التنازلات الأحادية الجانب التي لا يقابلها حتى الآن حد أدنى من المردود المفترض، لا على المستوى السياسي ولا على المستوى الميداني.
كذلك، يبدو أن واشنطن اكتفت بـ"ضغط رمزي" على بنيامين نتنياهو في الملف اللبناني، بحيث إنها لم تستطع، أو بالأحرى لم تُرد أن تأخذ منه أكثر من خفض للتصعيد أفضى إلى تحييد العاصمة والضاحية، علما أن الأخيرة تظل عرضة للاعتداء كلما شعر الاحتلال بأنه يمكنه أن يقتنص فيها هدفا للاغتيال.
وليس خافيا أن السلطة السياسية كانت تعوّل على دور أساسي للرئيس دونالد ترامب في لجم نتنياهو وإلزامه باحترام الهدنة على كل الأراضي اللبنانية، استنادا إلى فرضية أن ترامب هو الأقدر على التأثير في رئيس حكومة الاحتلال، لكن سرعان ما تأكد المؤكد مرة أخرى وتبين بوضوح أن التفهم الأميركي للموقف اللبناني يتوقف عند حدود المصالح الإسرائيلية التي تبقى لها الأولوية في حسابات واشنطن.
ويبدي المرتابون في خيار التفاوض المباشر خشيتهم مما يمكن أن يؤول إليه مسار التنسيق الأمني بين بيروت وتل ابيب والذي تقرر إطلاقه من البنتاغون في 29 أيار الحالي ما لم يكن محكوما بضوابط كافية، محذربن من أن نتتياهو يسعى إلى توريط الدولة اللبنانية بتنفيذ ما عجز هو عن فعله، أي نزع سلاح حزب الله، فإذا استطاعت ذلك يكون قد حقق مراده، وإذا ذهبت إلى مواجهة عسكرية مع الحزب من دون أن تنجح في سحب سلاحه، يكون قد ربح "جائزة" الإيقاع بينهما وإضعاف كليهما.
ويشير هؤلاء إلى أن ترامب ونتنياهو لا يجدان سببا للتساهل أكثر مع الطرف الرسمي اللبناني ما دام أنه "متجاوب" من دون شروط مسبقة، إذ إنه اتخذ سلفا قرارات متلاحقة بحصر السلاح وحظر الأنشطة العسكربة لحزب الله وخوض المفاوضات المباشرة ورفع مستوى التمثيل فيها والقبول بإنهاء حالة العداء كما ورد في مذكرة وزارة الخارجية الأميركية ثم بالتنسيق الأمني لاحقا، من غير أن يُمنح في المقابل ولو مجرد تثبيت للهدنة، الأمر الذي يشجع الكيان الإسرائيلي على مواصلة سياسة "خذ وطالب"، فيما "يقنن" ترامب دعمه للسلطة السياسية تحت سقف أن أمن إسرائيل وحرية حركتها فوق كل اعتبار.
من هنا، يدعو أصحاب هذا الرأي الدولة إلى مقاطعة المسارين الأمني والسياسي للمفاوضات إذا لم تنتزع تثبيتا لوقف إطلاق النار في الفترة الفاصلة عن انطلاقهما في نهاية الشهر الحالي وبداية الشهر المقبل، منبهين إلى أن استمرار المشاركة في التفاوض تحت النار يمنح تل ابيب أفضلية سياسية على الطاولة من ناحية ويشكل من ناحية أخرى قبولا بالأمر الواقع الميداني الذي تفرضه عبر المزج بين الاعتداءات والمباحثات.

