د. علي دربج- خاصّ الأفضل نيوز
لم تكن الهدنة التي أوقفت الحرب العدوانية الإسرائيلية ـــ الأميركية على إيران نابعة من حسن نية واشنطن، بقدر ما كانت ناجمة عن التراجع الكبير والسريع في كميات الصواريخ الاعتراضية (تحديدًا من طراز "باتريوت") لدى كل من: واشنطن وتل أبيب ودول الخليج العربي والأردن، نتيجة الاستخدام المكثف لها لمواجهة الصواريخ الباليستية الإيرانية، لا سيما في الأسابيع الأولى للحرب.
من هنا، وفي حال تجدُّد المواجهة العسكرية مع طهران، فإن الولايات المتحدة ستعاني حينها من أزمة حادة لتعويض ذلك النوع من الصواريخ، وخصوصًا أن إعادة ملء المخزونات العسكرية تخضع لساعة الصناعة العسكرية، وهذه الأخيرة تُقاس بالسنوات لا بالأيام.
عدد صواريخ "باتريوت" المستخدمة في الحرب ومعضلة الإنتاج
في الحقيقة، لم تعد القوة العسكرية الأميركية مرتبطة فقط بامتلاك الأسلحة المتطورة، بل بقدرتها أيضًا على إعادة تصنيع الذخائر وتعبئة مخزونها العسكري بسرعة في الحروب الطويلة.
فعلى مدى خمسة أسابيع فقط من الحرب على إيران، أطلق الجيش الأميركي وحلفاؤه ما لا يقل عن 1700 صاروخ "باتريوت"، بحسب المعهد الملكي للخدمات المتحدة، (وهو واحد من أقدم وأشهر مراكز الدراسات والأبحاث العسكرية والأمنية في العالم). وعليه، ووفق معدل الإنتاج الحالي البالغ 600 صاروخ سنويًا (على ذمة وزارة الحرب الأميركية)، ستحتاج الولايات المتحدة إلى ثلاث سنوات لتغطية عجز ما استُهلك خلال ما يزيد قليلًا على شهر واحد. وحتى قبل الحرب مع إيران، كانت مخزونات الولايات المتحدة من هذه الصواريخ قد تراجعت إلى 25% فقط من الحد الأدنى المطلوب داخل البنتاغون، بسبب إرسال كميات كبيرة منها إلى أوكرانيا.
أكثر من ذلك، يُعدّ استهلاك صواريخ "باتريوت" من قبل الولايات المتحدة وحلفائها أثناء الحرب الأخيرة أوضح دراسة حالة على مفهوم "التحكم بقدرة إعادة التذخير"، خصوصًا أن المشكلة لا تتعلق فقط بالمال، إنما بضعف قدرة مصانع السلاح الأميركية على الإنتاج السريع،
فحتى لو توفرت الأموال، فإن إنتاج الصواريخ يحتاج إلى وقت طويل ومصانع ومواد أولية وخبرات تقنية معقدة.
التحديات التي تواجه صناعة الباتريوت
عمليًا، تعاني الصناعات الدفاعية الأميركية من معادلة صعبة: فإذا أرادت زيادة الإنتاج بسرعة، ترتفع الكلفة، وفي حال عمدت إلى خفض النفقات، يتباطأ الإنتاج، كما أن قدرات المصانع نفسها تبقى محدودة، ولهذا، يُعتبر صاروخ "باتريوت" أبرز مثال على هذه الأزمة، لأنه مرتفع الكلفة (حيث تبلغ قيمة كل صاروخ حوالى 4 ملايين دولار) وصعب الإنتاج ولا يمكن الاستغناء عنه.
ضع في اعتبارك أن الحرب لم تُنشئ العجز في إنتاج صواريخ "باتريوت"، غير أنها كشفت هشاشة كانت مراكز أبحاث عديدة — مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، ومعهد باين للسياسات العامة، ومؤسسة RAND — تُحذّر منها منذ سنوات.
إنتاج "باتريوت" بين الوقت والحرب
في الواقع، إن الشرط الأول لتحقيق "التحكم بقدرة إعادة التذخير" هو الوقت، ويُجسّد صاروخ الاعتراض "باتريوت" من طراز PAC-3 MSE هذه المعضلة الزمنية بوضوح. فكل صاروخ اعتراض من هذا النوع، يحتاج إلى فترة إنتاج تبلغ 24 شهرًا للصاروخ نفسه، و30 شهرًا للمحرّك الصاروخي العامل بالوقود الصلب. والأرقام هنا تعود لموقع Norwegian Air Defense، ويعود هذا التأخير إلى صعوبة تصنيع المحركات الصاروخية التي تحتاج إلى وقت طويل للتجهيز والفحص، إضافة إلى أن اعتماد أي شركة جديدة لتصنيع القطع والمكونات العسكرية يتطلب سنوات من الاختبارات والإجراءات المعقدة.
ولذلك كله، من المرجّح ألّا تصل الصواريخ الممولة بموجب العقد الذي كان أعلن عنه البنتاغون في 10 نيسان الماضي (بقيمة 4.76 مليار دولار لتسريع الإنتاج)، قبل منتصف عام 2028 على أقرب تقدير.
ليس هذا فحسب، فرغم ضخامة العقد وطابعه العاجل، فإن جدوله الزمني يكشف مفارقة المشتريات الدفاعية الحديثة: حتى الاستجابة الطارئة تتحرك بوتيرة تصبح بلا قيمة استراتيجية على المدى القصير.
وانطلاقًا من هذه النقطة، ترى واشنطن أن حل الأزمة لا يكون فقط بضخ الأموال، بل بإعطاء شركات السلاح طلبات إنتاج طويلة الأمد تُشجّعها على توسيع مصانعها وزيادة العمالة والإنتاج.
وتطبيقًا لهذه الاستراتيجية، وقّع البنتاغون اتفاقًا مع شركة "لوكهيد مارتن" في كانون الثاني 2026 يمتد 7 سنوات، لرفع إنتاج صواريخ من طراز: PAC-3 MSE من 600 صاروخ سنويًا، إلى 2000 صاروخ، بحلول عام 2030، ومع ذلك، ما زال الخلل كبيرًا، إذ إن الشركة سلّمت خلال عام 2025 نحو 620 صاروخًا فقط، أي بمعدل 1.7 صاروخ يوميًا، وهو رقم لا يواكب سرعة الحروب الحديثة واستهلاكها الهائل للذخائر. ودائمًا على ذمة الموقع الرسمي لشركة "لوكهيد مارتن".
ماذا عن البدائل؟
فضحت الحرب هشاشة صناعة السلاح الأميركية، إذ إن إنتاج صواريخ "باتريوت" يعتمد على عدد محدود من المصانع المتخصصة في تصنيع الأجزاء الحساسة، كالمحركات وأنظمة التوجيه؛ ففي أول 4 أيام من الحرب، استخدمت قوات التحالف نحو 225 صاروخ "باتريوت" يوميًا، بينما كانت مصانع "لوكهيد مارتن" تنتج فقط 1.7 صاروخ يوميًا. وهذا يعني أن وتيرة استخدام الصواريخ كانت أسرع بـ132 مرة من قدرة المصانع على التعويض، ما عرّى ضعف قدرة الولايات المتحدة على مواصلة الحروب الطويلة بالوتيرة نفسها.
من هنا، بدأ البنتاغون باللجوء إلى شركات مدنية كبرى، بينها شركات السيارات، للمساعدة في زيادة إنتاج الأسلحة، في خطوة تعيد إلى الأذهان تعبئة الصناعات الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، أما الهدف، فهو اقتناء الجيش الأميركي 13,773 صاروخًا اعتراضيًا من طراز PAC-3 MSE، بتكلفة إجمالية للبرنامج تتجاوز 53 مليار دولار أميركي لـ60 بطارية باتريوت.
لكن مهلاً، فأزمة صواريخ "باتريوت" تكمن في نقص إنتاج القطع الأساسية، لا في تجميع الصاروخ نفسه؛ إذ إن شركة "بوينغ" تصنع أنظمة التوجيه من مصنع واحد فقط في ألاباما، ولم تُنتج خلال عام 2025، سوى ما بين 650 و700 جهاز، وفقًا لموقع الشركة.
ولهذه الغاية، أبرم البنتاغون في نيسان/أبريل الفائت اتفاقًا لرفع الإنتاج إلى ثلاثة أضعاف، بعدما أدرك أن زيادة تصنيع الصواريخ لن تنجح إذا بقي إنتاج القطع الحساسة بطيئًا.
كما ضخّ البنتاغون مليار دولار في شركة Aerojet Rocketdyne المنتجة للمحركات الصاروخية، لأن محركاتها تُستخدم في صواريخ "باتريوت" و"ثاد" و"توماهوك" و"ستاندرد ميسايل".
في المحصّلة:
تواجه الولايات المتحدة ضغطًا كبيرًا بسبب الطلب العالمي الضخم على صواريخ “باتريوت”، إذ إن 94% من عقد نيسان/أبريل 2026 خُصص لحلفاء واشنطن، بينما تجاوزت طلبات أكثر من 12 دولة — بينها السعودية وألمانيا وبولندا — نحو 4300 صاروخ، أي ما يعادل 7 سنوات كاملة من الإنتاج وفق معدلات عام 2025.
لذلك، لم تعد واشنطن تُركّز فقط على زيادة الإنتاج، بل أيضًا على ترشيد استخدام الصواريخ المتطورة وحصرها بالأهداف الخطيرة، حتى لا يُستنزف المخزون العسكري بسرعة خلال الحروب الطويلة.

