د. علي دربج - خاص الأفضل نيوز
بالرغم من استهداف إسرائيل للضاحية الجنوبية اليوم، وما قد ينجم عنه من تصعيد خطير، خصوصًا إذا ما نفّذت إيران تهديدها بالرد على هذا العدوان، يبقى الاتفاق الأميركي - الإيراني نقطة الأمل الوحيدة التي يعوّل عليها العالم أجمع، ومعه قسم كبير من اللبنانيين، وتحديدًا سكان جنوب لبنان، لوقف آلة التدمير الصهيونية ضد قراهم وبلداتهم ومدنهم، خصوصًا أن المعطيات والوقائع والأزمات السياسية والاقتصادية التي انفجرت كلها بوجه الرئيس دونالد ترامب تجعل من غير المستبعد أن يخرج الأخير - وفي وقت ليس ببعيد - ويفاجئ الحلفاء والخصوم على حدّ سواء، بالمضي قدمًا في تنفيذ بنود التسوية التي أُقرّت على طاولة المفاوضات في باكستان.
وما يعزز هذا الاعتقاد، أن ألف باء علم السياسة والاستراتيجيا تثبت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن المقياس المعتمد في تقييم الحروب هو القدرة على بلوغ الأهداف، وليس ما تفعله الطائرات والقنابل والصواريخ الفتاكة، وهو ما عجز عنه ترامب عندما فشل في تحقيق ما كان قد أعلن عنه في أعقاب انطلاق الحرب، من إسقاط للنظام الإيراني والقضاء على الترسانة الصاروخية والسيطرة على النفط الإيراني.
وكيف جعلت الحرب على إيران ترامب محاصرًا داخليًّا وخارجيًّا؟
عمليًّا، يواجه الرئيس دونالد ترامب تحذيرات من الأعداء والأصدقاء بأنه بات محاصرًا في الحرب مع إيران، التي كان قد روّج لها على أنها عملية عسكرية قصيرة ومحدودة، لكنها دخلت منذ ذلك الحين في حالة من الجمود.
وتبعًا لذلك، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول أميركي وشخص آخر مطّلع على النقاشات الداخلية في البيت الأبيض، تحفّظا على الكشف عن هويتيهما بسبب حساسية المحادثات، أن القلق يتزايد داخل الإدارة الأميركية وبين كبار المستشارين والحلفاء من أن ترامب أصبح عالقًا في هذا الملف.
فمن جهة، يتعرض ترامب لضغوط من الديمقراطيين الذين يحمّلونه مسؤولية ارتفاع أسعار النفط، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات من شخصيات متشددة داخل قاعدته السياسية ترى أن الخروج المبكر من الصراع سيُفسَّر على أنه تراجع أو استسلام.
وفي الوقت ذاته، يتلقى ترامب في الكواليس رسائل من مشرعين جمهوريين ومسؤولين في البنتاغون وحلفاء خليجيين تؤكد أن العودة إلى حملة القصف ليست خيارًا جيدًا.
كما يشير المعارضون لاستئناف العمليات العسكرية إلى أن الولايات المتحدة استهلكت كميات كبيرة من الذخائر بوتيرة سريعة جدًا، وأن إعادة بناء مخزون بعض منظومات الأسلحة الرئيسية قد تستغرق نحو ثلاث سنوات.
في المقابل، يشعر الحلفاء الخليجيون بقلق متزايد من احتمال أن ترد إيران باستهدافهم أو استهداف بنيتهم التحتية الحيوية ومصالحهم النفطية وقطاع الطاقة، الأمر الذي قد يلحق مزيدًا من الضرر باقتصاداتهم.
ضع في اعتبارك أن ترامب لا يخفي انزعاجه من فكرة القبول باتفاق يشبه الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما عام 2015، والذي فرض قيودًا على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية.
وعليه، ووفقًا لمطلعين على النقاشات الداخلية، أوضح ترامب أنه مقتنع تمامًا بأنه لا يستطيع إبرام "اتفاق سيئ"، كما يدرك جيدًا أن أي خطأ في هذا الملف قد ينعكس سلبًا على إرثه السياسي ويشوّه صورته التاريخية.
وتعقيبًا على ذلك، يرى بهنام بن طالبلو، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، في تصريح لصحيفة واشنطن بوست، أن "بقاء الأمور على حالها مع إيران، من دون حرب شاملة ومن دون اتفاق جديد، يصب حاليًا في مصلحة طهران أكثر من واشنطن". ويضيف أن "طهران، رغم كونها الطرف الأضعف، تبدو وكأنها تراهن على أن إطالة أمد حالة الجمود الحالية ستزيد من فرصها في محاصرة ترامب، ووضعه في زاوية ضيقة سياسيًّا".
ترامب وتفاقم الضغوط الاقتصادية الداخلية
لطالما اعتبرت الولايات المتحدة أن الحروب تجري بعيدًا عن أراضيها. فالقنابل تسقط في الشرق الأوسط، والعقوبات تضغط على اقتصادات دول أخرى، والأساطيل العسكرية تجوب البحار وراء الحدود، وكل ذلك تحت عنوان حماية المصالح الأميركية.
لكن ثمن الحروب الخارجية لا يبقى بعيدًا عن الأميركيين، بل يعود إليهم بأشكال مشوّهة، مثل ارتفاع الأسعار، وازدياد الديون، ومزيد من الإنفاق على السلاح، وتراجع الخدمات والبنية التحتية، وضغوط متزايدة على الحياة اليومية، وهو ما يحدث حاليًا في أميركا.
من هنا، أكدت الحرب مع إيران هذا التناقض بوضوح غير مسبوق. فهي ليست مجرد مواجهة عسكرية، أو مجرد صراع سياسي على النفوذ في الشرق الأوسط، بل أضحت أيضًا أزمة اقتصادية داخلية داخل الولايات المتحدة، يظهر أثرها بشكل واضح في أسعار الوقود.
فمضخة الوقود تحولت إلى واحدة من أكثر المؤشرات صدقًا على الواقع السياسي في أميركا. فهي تُبيّن ما تحاول التصريحات الرسمية إخفاءه: فالحروب ليست بلا تكاليف، وهذه الأعباء يدفعها العمال والموظفون وأصحاب المؤسسات الصغيرة وسائقو الشاحنات والمزارعون والعائلات التي تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة.
العلاقة بين الحرب وارتفاع الأسعار
إن حالة اللاحرب واللاسلم القائمة في المنطقة، باستثناء لبنان، جعلت محللي وكالة موديز أناليتيكس يقرعون جرس الإنذار من أن الحرب بدأت تنعكس مباشرة على جيوب الأميركيين، حيث دفعت كل أسرة أميركية نحو 447 دولارًا إضافيًا على الطاقة منذ اندلاع الصراع أواخر شباط الماضي، نتيجة ارتفاع أسعار الديزل ووقود الطائرات والبنزين الذي زاد بنسبة 28.4%. كما وصلت هذه الكلفة الإضافية إلى نحو 60 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر فقط على مستوى الولايات المتحدة كلها.
والأسوأ أنه إذا بقيت أسعار الطاقة عند مستوياتها الحالية حتى فبراير/شباط 2027، فقد ترتفع الفاتورة الإضافية على الأسرة الأميركية الواحدة إلى نحو 2000 دولار، وهو مبلغ كبير بالنسبة إلى ملايين الأميركيين الذين يعانون أصلًا من ارتفاع تكاليف المعيشة. وهذه الأرقام تعود إلى وكالة موديز.
بموازاة ذلك، قفزت أسعار السلع والخدمات في الولايات المتحدة بنسبة 3.8% خلال عام واحد حتى أبريل/نيسان 2026، بحسب مكتب إحصاءات العمل الأميركي. وهذا يعني ببساطة أن الأميركيين باتوا يدفعون مبالغ أكبر لتعبئة سياراتهم وتشغيل أعمالهم وشراء احتياجاتهم اليومية. والأرقام دائمًا على ذمة موديز.
عجز القوة الأميركية عن حماية الاستقرار العالمي
في الحقيقة، أكدت الحرب مع إيران أن الولايات المتحدة لا تدفع فقط كلفة المواجهة العسكرية، إنما أيضًا ثمن اعتماد اقتصادها على الاستقرار العالمي وتدفق الطاقة والتجارة الدولية نتيجة إغلاق طهران لمضيق هرمز. فعندما تتعطل هذه المنظومة بسبب الحروب أو الأزمات، لا تبقى التداعيات بعيدة عن الأميركيين، بل تُصيبهم بقوة.
من هنا، تُظهر الأزمة الحالية أن القوة العسكرية، رغم ضخامتها، لا تكفي لحماية الاقتصاد من تداعيات الاضطرابات التي تساهم الحروب نفسها في إنتاجها. فواشنطن التي تقدم نفسها بوصفها حامية لأمن الطاقة العالمي، تجد نفسها اليوم أمام مواطنين يدفعون أسعارًا أعلى للوقود والغذاء والخدمات نتيجة هذا الصراع.
وماذا عن لبنان؟
خلافًا لما حاول البعض ترويجه عن نجاح السلطة اللبنانية في فصل مفاوضاتها مع إسرائيل عن لقاءات وحوارات إسلام آباد، أظهرت المكالمة العاصفة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية تهديد الأخير بقصف بيروت، أن لبنان أصبح ورقة حاسمة في مفاوضات واشنطن وطهران.
فترامب لا يريد أن يمنح نتنياهو حرية تصعيد قد تُفجر المسار الإيراني، خصوصًا بعدما حذرت طهران من أن التصعيد الإسرائيلي قد يعرقل المحادثات مع واشنطن.
لذلك كان هذا الاتصال، الذي وصف فيه ترامب نتنياهو بـ"المجنون"، لحظة صدام بين حسابات ترامب الانتخابية والدبلوماسية وتقديرات نتنياهو العسكرية والسياسية.
في المحصّلة
ارتدت الحرب مع إيران إلى الداخل الأميركي. لكنها لم تعد على شكل نصر، أو أمن، ولا حتى استقرار، بل على صورة تضخم وارتفاع في أسعار الوقود وتراجع في المدخرات وزيادة في كلفة المعيشة اليومية، لذلك من المرجّح أن يُقدِم ترامب، مُرغمًا، على أصعب قراراته، وهو الوصول إلى تسوية مقبولة سياسيًا، وبالطبع سيكون لبنان جزءًا أساسيًا من هذا الاتفاق.

