إلياس المرّ- خاصّ الأفضل نيوز
رغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان عن التوصل إلى تفاهم أولي، فإن قرار ترحيل التوقيع النهائي إلى يوم الجمعة يحمل في طياته دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز مجرد الاعتبارات التقنية أو الإجرائية، فبحسب المعطيات المتداولة، نجحت إيران خلال الساعات الأخيرة في انتزاع مكاسب إضافية مقابل الامتناع عن الرد العسكري المباشر على إسرائيل، ما أتاح توسيع هامش التفاهم وأعطى طهران فرصة لتحسين شروطها قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وتتمثل أبرز هذه المكاسب في تعهد أميركي بالعمل على وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، وهي نقطة بالغة الأهمية بالنسبة لإيران وحلفائها، نظراً لما يمثله المسرح اللبناني من عنصر أساسي في معادلة الردع الإقليمية. كما تشير المعلومات إلى توافق حول فتح مضيق هرمز بصورة أسرع من الصيغة التدريجية التي كانت مطروحة سابقاً، بما يساهم في تهدئة الأسواق العالمية ويخفف الضغوط الاقتصادية المرتبطة بأمن الطاقة والتجارة الدولية.
في هذا السياق، يبدو أن تأجيل التوقيع حتى الجمعة يهدف إلى تمكين إيران من التحقق العملي من جدية هذه التعهدات قبل تثبيتها ضمن الإطار السياسي الجديد، فطهران تدرك أن الفجوة بين التعهدات السياسية والتنفيذ الفعلي غالباً ما تكون واسعة، خصوصاً في منطقة تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية بصورة معقدة.
ومع أهمية هذه التطورات، ينبغي عدم المبالغة في توصيفها. فالوثيقة المنتظرة لا ترقى إلى مستوى اتفاق سلام شامل أو تسوية نهائية للنزاعات القائمة، بل هي أقرب إلى مذكرة تفاهم تؤسس لمسار تفاوضي يمتد ستين يوماً، يتم خلاله البحث في ملفات حساسة وخلافية تراكمت على مدى سنوات طويلة، وبالتالي فإن نجاح المرحلة الحالية لا يعني بالضرورة نجاح المسار بأكمله.
وتبقى الجبهة اللبنانية أحد أهم الاختبارات العملية لأي تفاهم مرتقب، فإمكانية تثبيت وقف الحرب أو تخفيف التصعيد ستشكل المؤشر الأكثر وضوحاً على جدية الأطراف المعنية وقدرتها على ترجمة الالتزامات السياسية إلى وقائع ميدانية، غير أن التجارب السابقة تدعو إلى الحذر، إذ إن العديد من الاتفاقات والتفاهمات الإقليمية اصطدمت لاحقاً بعوامل تعطيل داخلية وخارجية، سواء من قبل أطراف متضررة من التسوية أو نتيجة تبدل الحسابات السياسية والعسكرية.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تبدو أكثر حساسية من مرحلة التوصل إلى التفاهم نفسه؛ فالتوقيع، مهما بلغت أهميته، ليس سوى بداية الطريق، بينما يبقى الامتحان الحقيقي في قدرة الأطراف على التنفيذ والصمود أمام الضغوط والتحديات التي سترافق المفاوضات خلال الأسابيع المقبلة.

