ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
لا يمكن اختصار قرار المملكة العربية السعودية استئناف استقبال الصادرات اللبنانية بأنه مجرد إعادة فتح لسوق تجارية أقفلت قبل سنوات؛ فالقرار يحمل في طياته أبعاداً اقتصادية وسياسية تتجاوز حركة البضائع والشاحنات، ليشكل مؤشراً على عودة لبنان تدريجياً إلى الخريطة الاقتصادية الخليجيّة بعد سنوات من العزلة والتوترات التي دفعت ثمناً باهظاً لها القطاعات الإنتاجيّة اللبنانيّة.
في بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وفق توصيف البنك الدولي، تبدو أي نافذة قادرة على إدخال العملات الأجنبية بمثابة فرصة استثنائيّة، فمنذ عام 2019، خسر الاقتصاد اللبناني أكثر من نصف حجمه، فيما فقدت الليرة اللبنانية أكثر من ٩٨% من قيمتها، وتراجعت القدرة الشرائيّة للمواطنين بشكل غير مسبوق، بينما تقلصت الاستثمارات الخارجية وتعثرت الدورة الاقتصادية الداخلّية.
من هنا يكتسب السوق السعودي أهمية خاصة من منظار السوق اللبناني، فقبل قرار الحظر الذي فرض عام 2021، كانت المملكة من أبرز الوجهات العربية للمنتجات اللبنانيّة، حيث تجاوزت قيمة الصادرات اللبنانيّة إليها في بعض السنوات 240 مليون دولار سنوياً، فيما كانت تستحوذ على حصة أساسية من الصادرات الزراعيّة والغذائيّة اللبنانيّة، ولم يكن فقدان هذا السوق مجرد خسارة تجارية، بل ضربة مباشرة للمزارعين والصناعيين والمصدرين الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام أسواق بديلة أقل ربحيّة وأكثر كلفة.
وجاء القرار السعودي الأخير ليعكس تحولاً مهماً في النظرة إلى لبنان، خصوصاً بعد الخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية في مجالات الرقابة والتنسيق الأمني وتشديد الإجراءات على المعابر والمرافئ، إلا أن أهمية القرار لا تكمن فقط في إعادة فتح سوق السعودية، بل في الرسالة التي يحملها هذا القرار إلى بقية دول الخليج والأسواق العربية التي تراقب عن كثب مسار العلاقة الاقتصادية بين بيروت والرياض.
وتشير معلومات خاصة حصلت عليها "الأفضل نيوز" من مصادر اقتصادية مطلعة إلى أنّ "عدداً من المصدرين اللبنانيين بدأوا منذ أسابيع إعداد خطط تشغيليّة جديدة استعداداً لاستعادة حصصهم داخل الأسواق السعودية، وسط توقعات بارتفاع تدريجي في حجم الصادرات خلال الأشهر المقبلة، لا سيما في قطاعات المنتجات الزراعية والصناعات الغذائية والسلع الاستهلاكيّة اللبنانية التي تحافظ على حضور تقليدي داخل الأسواق الخليجية".
ويجمع خبراء الاقتصاد على أن المستفيد الأول من القرار سيكون القطاع الزراعي اللبناني الذي تعرض لخسائر كبيرة خلال السنوات الماضية نتيجة فقدان الأسواق الخليجيّة؛ فمزارعو التفاح والحمضيات والعنب والخضار كانوا من أكثر المتضررين من توقف التصدير، واضطر كثير منهم إلى بيع إنتاجهم بأسعار متدنيّة أو تحمل كلفة شحن إضافية نحو أسواق بديلة.
لكن السؤال الأهم اليوم لا يتعلق فقط بقدرة المنتج اللبناني على العودة إلى السعودية، بل بقدرة البنية اللوجستيّة اللبنانيّة على مواكبة هذه العودة.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر "الأفضل نيوز" أنّ "مرفأ بيروت رفع خلال الأشهر الأخيرة مستوى جهوزيته التشغيليّة تحسباً لأي زيادة محتملة في حركة التصدير، مستفيداً من إعادة تنظيم عدد من مرافقه التشغيليّة وتعزيز الإجراءات الرقابية على الحاويات والبضائع الخارجة من لبنان."
وتؤكد المصادر أن المرفأ بات قادراً على استيعاب أي زيادة متوقعة في حركة الشحن نحو الأسواق الخليجيّة، وأن التنسيق بين الأجهزة الرقابية والإدارات المعنية شهد تحسناً ملحوظاً مقارنة في السنوات الماضية. كما تشير إلى أن جزءاً أساسياً من الثقة الخليجية الجديدة يرتبط بمدى التزام لبنان بالمعايير الأمنية والرقابية المطلوبة لضمان سلامة الصادرات ومنع أي عمليات تهريب قد تعيد العلاقات التجارية إلى نقطة الصفر.
ويكتسب هذا العامل أهمية مضاعفة لأن أزمة الصادرات اللبنانية لم تكن مرتبطة فقط بالوضع الاقتصادي، بل أيضاً بمسألة الثقة؛ فالأسواق الحديثة لا تشتري المنتجات فحسب، بل تشتري منظومة متكاملة من المعايير والضمانات والرقابة.
ومن هنا، فإن نجاح مرفأ بيروت والمعابر الشرعية في إثبات قدرتها على حماية حركة التصدير سيشكل عاملاً حاسماً في توسيع الانفتاح الخليجي على المنتجات اللبنانية مستقبلاً.
اقتصادياً، قد يساهم القرار في توفير عشرات ملايين الدولارات الإضافية من العملات الأجنبية خلال المرحلة المقبلة، كما يمكن أن ينعكس إيجاباً على حركة المرافئ وشركات الشحن والتخليص الجمركي والتوضيب والتبريد والنقل البري، ما يخلق دورة اقتصادية أوسع بكثير من مجرد تصدير البضائع.
غير أن المبالغة في التوقعات تبقى خطأ شائعاً في الحالة اللبنانية؛ فاستئناف الصادرات، على أهميته، لا يمثل حلاً سحرياً للأزمة الاقتصادية العميقة التي يعيشها البلد؛ فالاقتصاد اللبناني ما يزال يواجه أزمة مصرفية غير مسبوقة، وعجزاً مالياً مزمناً، وبنية تحتية متعبة، وكلفة إنتاج مرتفعة تحد من القدرة التنافسية للمنتجات المحلية.
كما أن الميزان التجاري اللبناني ما يزال يعاني اختلالاً هيكلياً كبيراً، إذ تتجاوز قيمة الواردات أضعاف قيمة الصادرات، ما يعني أن أي تحسن في حركة التصدير يبقى خطوة ضرورية لكنها غير كافية لتحقيق التعافي الاقتصادي الشامل.
ورغم ذلك، فإن القيمة الحقيقية للقرار السعودي قد لا تكون في الأرقام المباشرة التي سيحققها خلال الأشهر الأولى، بل في إعادة بناء الثقة؛ فالثقة في عالم الاقتصاد تسبق الاستثمار، وتسبق التوسع التجاري، وتسبق النمو، وعندما تعود المملكة العربية السعودية إلى استقبال المنتجات اللبنانية، فإن الرسالة تتجاوز المزارعين والصناعيين لتصل إلى المستثمرين والأسواق والمؤسسات الماليّة العربية التي تراقب ما إذا كان لبنان بدأ فعلاً استعادة جزء من استقراره الاقتصادي والمؤسساتي.
في المحصلة، لا تبدو عودة الصادرات اللبنانية إلى السعودية مجرد حدث تجاري عابر، بل محطة مفصليّة تختبر قدرة الدولة اللبنانية على حماية مصالحها الاقتصادية واستعادة ثقة محيطها العربي؛ فسوق السعودية ليس مجرد منفذ لتصريف الإنتاج اللبناني، بل بوابة طبيعية إلى الخليج بأكمله، أما التحدي الحقيقي، فلا يكمن في إعادة فتح هذه البوابة، بل في إبقائها مفتوحة، فبعد سنوات من الانهيار والخسائر والعزلة، لم يعد لبنان يحتاج فقط إلى أسواق جديدة، بل إلى دولة قادرة على الحفاظ عليها.

