د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
حرفيًّا، ينطبق المثل القائل: "مثل الأطرش بالزفّة" على المسؤولين والحكومة اللبنانية، الذين صمّوا آذان اللبنانيين وهم يردِّدون ليلًا نهارًا طوال الشهرين، سردية: "لا أحد يفاوض عن لبنان".
لكن مهلًا، فعندما دنت لحظة الحقيقة، وأعلن الرئيس الأميركي الاتفاق مع طهران فجر الاثنين الفائت، وزفَّ لسكان منطقة الشرق الأوسط، وللبنانيين تحديدًا، بشرى إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك جنوب لبنان، ثبت، وبالوجه الشرعي للعالم أجمع، أن السلطة اللبنانية الحاكمة كانت آخر من يعلم، بعدما تفاجأت بسماع البنود المتعلقة بلبنان في الاتفاق من وسائل الإعلام كأي مواطن لبناني، خصوصًا أن حلفاءها الأميركيين لم يكلِّفوا أنفسهم حتى عناء وضعها في الصورة، أقلَّه لحفظ ماء الوجه.
بالمقابل، نزل الاتفاق كالصاعقة على تل أبيب، فسارعت إلى إعلان رفضها المطلق لوقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب، ومنحت نفسها حق الاستمرار بحرية الحركة في لبنان. فلم تكتفِ إسرائيل بخروقاتها الدائمة له، بل تحاول يوميًّا توسيع احتلالها لجنوب لبنان، خصوصًا في منطقتَي حداثا وعلي الطاهر (قضاءَي بنت جبيل والنبطية)، أو من خلال ارتكاب المجازر، كما حصل ليل أمس، في حاروف والنبطية وجبشيت وغيرها.
ترامب ودفع لبنان إلى المفاوضات مع إسرائيل
في الواقع، فور إعلان ترامب عن مذكرة التفاهم مع إيران، وجد لبنان نفسه أمام التزامات جديدة تتعارض مع تعهدات سابقة كان قد التزم بها أصلًا بناءً على طلب وتشجيع من الرئيس ترامب، الذي كان قد دفع القيادات اللبنانية مرارا، نحو مفاوضات ثنائية ومباشرة مع إسرائيل، بعدما أوهمهم أن هذه الخطوة ستكون بمثابة طريق الخلاص للبنانيين وفرصة نجاتهم الوحيدة من المذبحة التي يتعرض لها جنوب لبنان.
وفي استجابة فورية لرغبة واشنطن، عقد السفيران اللبناني والإسرائيلي، قبل شهرين، لقاءات مباشرة وُصفت بالتاريخية في واشنطن، برعاية ووساطة أميركيتين. وعقب تلك الاجتماعات، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بيانًا احتفاليًّا في نيسان الماضي، أشادت فيه بما تحقق، مؤكدة دعمها لاستمرار الحوار بين الجانبين، فضلًا عن مؤازرة خطة الدولة اللبنانية الهادفة إلى استعادة احتكارها لاستخدام القوة على أراضيها وإنهاء النفوذ الإيراني في لبنان.
كما أكدت واشنطن، في البيان، أن "أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل يجب أن يتم التوصل إليه بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية نفسيهما، وبرعاية أميركية، لا من خلال أي مسار تفاوضي آخر أو عبر اتفاقات تعقدها أطراف أخرى نيابة عنهما".
ليس هذا فحسب، إذ شددت الولايات المتحدة، في الفقرة الأولى من البيان، على دعمها لمسار نزع سلاح الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وفي مقدمتها حزب الله، باعتبار أن استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها تتطلب أن تكون هي الجهة الوحيدة التي تمتلك حق استخدام القوة.
علاوة على ذلك، أبدت واشنطن، في الفقرة الثانية، تمسكها بمبدأ آخر واضح، وهو أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار أو وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل يجب أن يتم التوصل إليه بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية نفسيهما، وبرعاية أميركية، وليس عبر أي مسار تفاوضي منفصل أو من خلال اتفاق تعقده أطراف أخرى. غير أن كل هذه العبارات السيادية أعلاه تبخرت بلحظة واحدة، وتم شطبها، وجرى استبدالها بأخرى مختلفة كليًّا،
ترامب ينقلب على لبنان الرسمي وينقضّ مبادئ المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية
علميًّا، في وقت لم يكد يجف حبر بيان الخارجية الأميركية أعلاه، فيما يتعلق بضرورة استعادة السيادة اللبنانية وحصرية السلاح بيد الدولة، حتى انقلب ترامب على لبنان الرسمي، وبدأ يهلِّل للاتفاق الجديد مع إيران، الذي تتناقض وتتعارض بنوده الخاصة بلبنان تمامًا مع ما كان قد اتُّفق عليه على الطاولة اللبنانية ـــ الإسرائيلية في نيسان الماضي، الأمر الذي دفع بمنتقدي التسوية إلى التساؤل عما إذا كانت واشنطن ما تزال متمسكة بالمبادئ التي أعلنتها قبل شهرين فقط.
ضع في اعتبارك أنه، وعند قراءة نقاط مذكرة التفاهم الخاصة بلبنان، والتي نشرها موقع Washington Free Beacon (المعروف بقربه الفكري من التيار الجمهوري، وانتقاده للديمقراطيين)، نفهم حينها نوبة الهياج التي أصابت الفريق اللبناني المعارض للاتفاق، الذي نص حرفيًّا، بحسب ما نشرته أمس الصحافة العالمية، على "إنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات". واللافت أنه يشمل لبنان، للمرة الأولى، بشكل صريح، مع التأكيد على احترام سيادة كل من إسرائيل ولبنان ووحدة أراضيهما.
أكثر من ذلك، يشير الموقع ــــ نقلًا عن النقاط التي نشرها البيت الأبيض في 15 حزيران الجاري ــــ إلى أن "المواجهة بين إسرائيل وحزب الله كانت أخطر بؤرة توتر في المنطقة، وقد أدخلها الرئيس ترامب ضمن إطار السلام بدلًا من تركها سببًا لإشعال الحرب من جديد". وإذ يوضح الموقع أن "الاتفاق ليس مجرد إعلان نيات، بل يتضمن التزامات واضحة"، يشدد على أن "وقف إطلاق النار يجب أن يصمد قبل الانتقال إلى أي خطوة أخرى، فهو ليس مجرد أمل أو هدف نسعى إليه، بل شرط أساسي لا بد من تحقيقه أولًا".
الاتفاق الإيراني ــ الأميركي وصاعقة تجاوز قضية السلاح
في الحقيقة، ينطلق اللبنانيون الرافضون للتسوية الجديدة بين طهران وواشنطن من نقطة أساسية، وهي أن أي اتفاق يتجاوز مسألة نزع سلاح حزب الله، أو لا يجعلها جزءًا أساسيًّا منه، يتناقض مع الموقف الذي تبنته إدارة ترامب سابقًا، والذي كان يعتبر أن السيادة اللبنانية لا يمكن أن تترسخ إلا عندما تحتكر الدولة وحدها السلاح واستخدام القوة.
ويذكِّر هؤلاء بأن الاتفاق مع إسرائيل، برعاية أميركية، في نيسان الماضي، كان واضحًا في هذه النقطة، إذ ربط استمراره (أي وقف إطلاق النار) بإحراز لبنان تقدمًا فعليًّا وملموسًا في مسار نزع سلاح حزب الله. بمعنى آخر، إذا توقف هذا التقدم، يصبح الاتفاق مهددًا بالسقوط.
وتبعًا لذلك، وعند مقارنة اتفاق نيسان الماضي بالاتفاق الأميركي ــ الإيراني الجديد، يظهر حجم الورطة التي أوقع المسؤولون اللبنانيون أنفسهم فيها؛ فإذا التزم لبنان بأحدهما، فقد يجد نفسه مخالفًا للآخر، فالأول يربط الاستقرار بالتقدم في ملف نزع السلاح، بينما يركز الثاني على تثبيت وقف القتال بغض النظر عن معالجة هذا الملف الشائك في الوقت الراهن، لذلك، يرى منتقدو الاتفاق أن وقف إطلاق النار السابق انتهى عمليًّا، ليحل محله وقف إطلاق نار جديد يقوم على قواعد مختلفة تمامًا.
وهنا يُطرح السؤال التالي: هل نَسِيَ أو تَناسَى الفريق اللبناني المعارض أن ترامب يستطيع تغيير رأيه بين ليلة وضحاها؟ لا سيما أنه ليس ملزمًا قانونيًّا بالتفاهمات المتبادلة الواردة في إعلان وزارة الخارجية الأميركية الصادر في نيسان الماضي. لذلك، فإن أصل الخلل يتلخص في التعويل ووضع الثقة برئيس أميركي يتراجع عن مبادئه سريعًا، غير آبه بالنتائج الكارثية التي تنعكس على حلفائه وأصدقائه.
ترامب يمنح حزب الله فرصة استعادة قوته!!!
إضافة إلى ما تقدم، يفرد موقع Washington Free Beacon حيِّزًا خاصًّا للحديث عن الدعم الذي قدمته إدارة ترامب لمساعي الرئيس اللبناني جوزاف عون الرامية إلى استعادة السيادة اللبنانية. ويلفت الموقع إلى أنه "في المقابل، أدلى عون بتصريحات علنية جدًّا مفادها أن حزب الله وأعضاءه ومؤيديه يفتقرون أساسًا إلى الوطنية، وربما كانوا خونة". ويضيف: "الآن، يقول ترامب لعون إن القتال يجب أن يتوقف، ما يسمح لحزب الله بتجميع الأموال والقوى البشرية والأسلحة التي سيستخدمها لتدمير حكومة عون نهائيًّا".
ويتابع الموقع: "في الوقت نفسه، تواصل الإدارة الأميركية التأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد انتهاكات حزب الله لوقف إطلاق النار. كما أنها (أي الإدارة الأميركية) لا تؤمن بحق لبنان في الدفاع عن نفسه ضد إيران".
في المحصّلة:
عندما تقول الإدارة إن ترامب يريد السلام للبنان، فإن ما تقصده في الواقع هو وقف القتال بين حزب الله وإسرائيل. أما لبنان الرسمي، فلا يبدو، من الناحية الفعلية، أنه جزء أساسي من هذا النقاش. فالأمر يظهر وكأن هناك رئيسين للولايات المتحدة، وكلاهما ترامب، لكن كل واحد منهما يتبنى موقفًا مختلفًا عن الآخر. وفي هذه الحالة، لا يملك الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام أي طريقة حقيقية لتجنب الاصطدام بأحد هذين الموقفين المتناقضين.

