ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
لم يعد اللبناني يراقب أسعار البنزين من باب الفضول، بل من باب القلق اليومي. فمع كل توتر سياسي في المنطقة، وكل تهديد يطال حركة النفط العالمية، ترتفع كلفة التنقل وتزداد الضغوط على ميزانيات الأسر التي أنهكتها أصلاً سنوات الانهيار الاقتصادي.
وبينما لا يزال الوقود التقليدي يفرض نفسه على غالبية السيارات في لبنان، بدأت معادلة جديدة تتشكل بهدوء على الطرقات اللبنانية: سيارات أقل استهلاكاً للنفط وأكثر اعتماداً على الكهرباء.
خلال الأشهر الأخيرة، أعادت الحرب الدائرة في المنطقة والتوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز المخاوف إلى أسواق الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يعبر منه نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية بات عنواناً رئيسياً في نشرات الاقتصاد والأسواق.
وبالنسبة للبنانيين، فإن أي اضطراب في هذا الممر لا يعني مجرد خبر دولي، بل احتمال ارتفاع جديد في أسعار المحروقات ينعكس مباشرة على كلفة التنقل والعمل والإنتاج.
في المقابل، يشهد العالم تحولاً غير مسبوق نحو السيارات الكهربائية. فقد تجاوزت مبيعات هذه السيارات عالمياً 20 مليون مركبة خلال عام 2025، لتشكل نحو ربع السيارات الجديدة المباعة حول العالم. أما الصين وحدها فباتت تستحوذ على نحو 60% من إجمالي المبيعات العالمية، فيما تواصل أوروبا تسجيل أرقام قياسية مع ازدياد الإقبال على المركبات الكهربائية كلما ارتفعت أسعار الوقود التقليدي.
هذه التحولات العالمية لم تعد بعيدة عن لبنان. فبحسب معنيين في القطاع، شهدت السنوات الثلاث الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على السيارات الكهربائية، خصوصاً مع استمرار تقلب أسعار البنزين والمازوت وارتفاع كلفة تشغيل السيارات التقليدية. وأصبحت حسابات اللبناني مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات، إذ لم يعد السؤال مقتصراً على سعر السيارة عند الشراء، بل بات يتمحور حول كلفة تشغيلها على مدى سنوات.
تؤكد مصادر متابعة لقطاع السيارات لـ"الأفضل نيوز" أن: "عدداً من معارض السيارات الكبرى بات يخصص مساحات أكبر للسيارات الكهربائية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أعوام قليلة، في مؤشر إلى تغير تدريجي في توجهات السوق". كما بدأت شركات استيراد عدة بإدخال نماذج جديدة تستهدف الفئة المتوسطة بعدما كانت هذه السيارات حكراً على الفئات مرتفعة الدخل.
ويبدو أن العامل السياسي يلعب دوراً أساسياً في هذا التحول. فكل أزمة إقليمية ترفع أسعار النفط تعني عملياً زيادة إضافية في كلفة استخدام السيارة التقليدية. وفي بلد يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المحروقات، يصبح المواطن أكثر حساسية تجاه أي تقلبات في الأسواق العالمية.
تشير معلومات "الأفضل نيوز" إلى أن: "جزءاً متزايداً من المشترين لا يتجه نحو السيارات الكهربائية بدافع بيئي كما هو الحال في أوروبا، بل بدافع اقتصادي بحت، إذ يسعى إلى حماية نفسه من أي ارتفاعات مستقبلية في أسعار الوقود قد تنتج عن توسع النزاعات العسكرية في المنطقة أو تعطل إمدادات النفط العالمية."
وفي المفارقة اللافتة، فإن أزمة الكهرباء التي طالما شكلت نقطة ضعف للبنان، ساهمت بشكل غير مباشر في تعزيز جاذبية السيارات الكهربائية لدى بعض الفئات. فانتشار أنظمة الطاقة الشمسية خلال السنوات الماضية أتاح لعدد من اللبنانيين إمكانية شحن سياراتهم بكلفة محدودة نسبياً، ما خفف جزءاً من الأعباء التشغيلية مقارنة بالسيارات التقليدية.
لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام انتشار واسع لهذه المركبات. فالبنية التحتية لمحطات الشحن ما زالت محدودة، كما أن غياب استراتيجية رسمية واضحة لدعم القطاع يشكل عائقاً إضافياً أمام نمو السوق. كذلك لا تزال أسعار بعض الطرازات مرتفعة بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين الذين يواجهون تحديات معيشية متزايدة.
ورغم هذه العقبات، تبدو المؤشرات العالمية والمحلية متجهة في الاتجاه نفسه. فكلما ارتفعت أسعار النفط نتيجة الحروب والأزمات السياسية، ازدادت جاذبية السيارات الكهربائية. وكلما انخفضت أسعار البطاريات وتوسعت المنافسة بين الشركات المصنعة، اقتربت هذه المركبات من التحول إلى خيار متاح لعدد أكبر من المستهلكين.
قبل سنوات قليلة كانت السيارات الكهربائية تبدو فكرة مرتبطة بالمستقبل. أما اليوم، وفي ظل منطقة تعيش على وقع الحروب وتقلبات أسواق الطاقة، فإن هذا المستقبل بدأ يصل تدريجياً إلى الشوارع اللبنانية.
والسؤال الذي يطرح نفسه لم يعد ما إذا كانت السيارات الكهربائية ستنتشر في لبنان، بل متى سيصبح امتلاكها الخيار الأكثر جدوى اقتصادية بالنسبة للمواطن اللبناني.

