محمد علوش - خاصّ الأفضل نيوز
حمل الإعلان الإيراني عن التوصل إلى آلية مشتركة تضم إيران وقطر وباكستان والولايات المتحدة ولبنان لمنع التصعيد ومراقبة تنفيذ وقف الحرب في لبنان، في طياته مؤشرات سياسية تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها، وتلامس طبيعة التفاهمات الإقليمية التي تشكلت خلال الأشهر الماضية.
فإذا صحّ أن هذه الآلية ستتولى مراقبة تنفيذ وقف الحرب ومنع أي عودة إلى التصعيد، فإن ذلك يعني عملياً انتقال الملف اللبناني من مرحلة كانت إسرائيل تسعى فيها إلى فرض قواعد اشتباك أحادية الجانب، إلى مرحلة جديدة تقوم على إدارة جماعية للتوازنات الميدانية والسياسية. وهذا التحول يكتسب أهمية استثنائية لأن إسرائيل كانت قد رفضت سابقاً أي صيغة تمنح إيران دوراً مباشراً أو غير مباشر في مراقبة تنفيذ التفاهمات، وأصرت على آليات تسمح لها بحرية الحركة العسكرية تحت عنوان مواجهة التهديدات الأمنية ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية للمقاومة.
اللافت بحسب مصادر سياسية متابعة أن إسرائيل كانت خلال الأشهر الماضية تتصرف انطلاقاً من معادلة تعتبر أن نتائج الحرب تتيح لها فرض شروطها على لبنان وعلى البيئة الإقليمية المحيطة به. لذلك دفعت بقوة نحو تفسيرها الخاص لما سمي حينها "الميكانيزم" الذي يمنحها عملياً حق الاعتراض والتدخل والاستهداف متى اعتبرت أن هناك خرقاً أو تهديداً.
وكانت الفكرة الأساسية تقوم على تحويل وقف النار إلى منصة تمنح إسرائيل شرعية دائمة للقيام بعمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية متى شاءت.
وتعتبر المصادر أن ظهور آلية جديدة تضم إيران إلى جانب الولايات المتحدة ودول أخرى، فيعني أن المقاربة السابقة لم تعد قابلة للحياة، فوجود طهران داخل أي إطار رقابي أو سياسي مرتبط بوقف الحرب يعني اعترافاً ضمنياً بأن الاستقرار في لبنان لا يمكن ضمانه من خلال تجاهل الطرف الذي يمتلك التأثير الأكبر على القوى الحليفة له في الساحة اللبنانية. وهو اعتراف قد لا يكون معلناً بصورة مباشرة، لكنه يترجم عملياً قبولاً أميركياً ودولياً بحقيقة موازين القوى القائمة في المنطقة.
هذا التحول بحسب المصادر لا يمكن فصله عن المسار الأوسع للتفاهم الأميركي -الإيراني الذي بدأ ينعكس تدريجياً على ملفات الإقليم؛ فلبنان كان تاريخياً إحدى الساحات الأكثر تأثراً بالصراع بين واشنطن وطهران، وبالتالي فإن أي انتقال من المواجهة إلى إدارة مشتركة للأزمات لا بد أن يظهر أولاً في الساحات الأكثر حساسية، ومن هنا يمكن فهم إدخال إيران إلى آلية المتابعة باعتباره جزءاً من مقاربة جديدة تقوم على إشراك اللاعبين المؤثرين بدلاً من محاولة إقصائهم.
ومن زاوية أخرى، فإن قبول مثل هذه الصيغة يعكس أيضاً حدود القوة الإسرائيلية، فلو كانت إسرائيل قادرة على فرض الميكانيزم الذي أرادته بالكامل لما كانت مضطرة للانتقال إلى صيغة متعددة الأطراف، علما أنه يجب الانتظار لمعرفة كيف ستتصرف إسرائيل مع هذه اللجنة وتداعياتها، ولكن التطورات الميدانية والسياسية أظهرت أن فرض ترتيبات أحادية لا يضمن الاستقرار ولا يمنع عودة التوتر، بل قد يؤدي إلى انفجارات متكررة. لذلك يبدو أن الاتجاه الحالي يقوم على بناء شبكة ضمانات متبادلة تشارك فيها الأطراف القادرة فعلياً على التأثير في مسار الأحداث.
أما على المستوى اللبناني، فإن انعكاس هذا التطور يتجاوز مسألة وقف النار نفسها، فوجود إيران داخل إطار متابعة تنفيذ الاتفاق يعني أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية لن تكون نتاج إرادة إسرائيلية منفردة أو ضغوط أميركية فقط، بل ستكون مرتبطة بتفاهمات أوسع تأخذ في الاعتبار توازنات القوى الداخلية والإقليمية. وهذا يحد من قدرة إسرائيل على استخدام التهديد العسكري كورقة ضغط دائمة لفرض شروط إضافية على لبنان.
وتشير المصادر إلى أن القضية لا تبدو مجرد استبدال "ميكانيزم" بآخر، بل تعكس انتقالاً من مرحلة حاولت فيها إسرائيل إدارة المشهد اللبناني وفق شروطها الخاصة، إلى مرحلة يجري فيها إدخال الملف اللبناني ضمن إطار تفاهم إقليمي أوسع تشارك فيه القوى الأساسية المؤثرة، وإذا تأكدت هذه الآلية ونجحت في العمل، وهذا شرط أساسي لأن المتضررين قد يعمدون لإفشال أي مسار أو اتفاق وهذا يبقى احتمالا ممكنا في الفترة المقبلة، فإنها ستشكل مؤشراً إضافياً على أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها إدارة التوازنات بصورة جديدة، والتفاهم على النفوذ بدل الصراع المفتوح عليه، وهذا ما أنتجته الحرب الأميركية على إيران وستكون إسرائيل الخاسر الأول فيه.

