كريستال النوّار - خاصّ الأفضل نيوز
لم تعد الحروب الحديثة تعتمد فقط على عدد الجنود أو قوّة الأسلحة التقليدية. فمع التطوّر السريع في الذكاء الاصطناعي، دخلت التكنولوجيا إلى قلب العمليات العسكرية، وأصبحت جزءاً من ساحات القتال.
وقد استثمرت دول كبرى مليارات الدولارات في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات العسكرية خلال ثوانٍ. فبدلاً من أن يقضي المحللون ساعاتٍ طويلة في مراجعة صور الأقمار الصناعية أو تسجيلات الطائرات المسيّرة، تستطيع الأنظمة الذكية اليوم تحديد الأنماط والأهداف المحتملة بسرعة تفوق القدرات البشرية. لكن هذا لا يعني أنّ الآلة أصبحت تُدير الحرب بمفردها. ففي معظم الجيوش، لا يزال القرار النهائي باستخدام القوة العسكرية بيد الإنسان، إلا أنّ دور الذكاء الاصطناعي يتزايد باستمرار، ما يطرح أسئلة جديدة حول حدود الاعتماد على التكنولوجيا في المواقف المصيرية.
في هذا الإطار، تشير الخبيرة في أنظمة الدفاع العسكري أغنس الحلو زعرور إلى أنّ "الجيوش الرقمية والحروب التي تُدار بالذكاء الاصطناعي هي واقع بدأ يظهر للمرة الأولى خلال معركة أرمينيا وأذربيجان، ثم أوكرانيا وروسيا، بالإضافة إلى الحرب القائمة حالياً". وتضيف في حديثٍ لموقع "الأفضل نيوز": "الحروب اليوم يؤدّي فيها الذكاء الاصطناعي دوراً كبيراً، ولكنه لم يصل حتى الآن إلى المرحلة النهائية، أي الاعتماد عليه كلياً من دون العنصر البشري".
إلا أنّها تكشف عن تقارير نُشرت أنّ "الطائرات المسيّرة المتطوّرة The Bayraktar TB2 التركية استهدفت في ليبيا بلا قرار مشغّل"، قائلةً: "لا أعرف إذا كانت نتيجة التحقيقات صحيحة أم لا، ولكن الذكاء الاصطناعي يدخل أكثر من السابق في الحروب وتفاصيلها، وصار جزءاً كبيراً جداً منها؛ فهو يعمل على تسهيل حياة العسكريين على الأرض ويساعدهم في أخذ القرار، انطلاقاً من خوارزميات قادرة على تحليل معطيات من عدد كبير من المصادر (مسيّرات، كاميرات، أقمار اصطناعية)، ويعطي في النهاية عدداً من الاحتمالات لتقييمها والعمل عليها". ما يعني أنّ الأنظمة الذكية في تطوّر مستمر، وتقتحم عالم الحروب أكثر فأكثر مع الأيام، ولكنها ما زالت حتى اليوم عاجزة عن اتخاذ القرار النهائي في تنفيذ أي ضربة.
كيف بدّل الذكاء الاصطناعي المفاهيم العسكرية؟
تُجيب الخبيرة: "في السابق، كانت الدول التي تمتلك أكبر الطائرات المقاتلة من الجيل الرابع أو الخامس هي التي تفرض التفوّق. ولكن في عصرنا اليوم يميل التفوّق إلى من يملك معلومات أكثر، مع دقة أكبر في الحصول عليها والتصرف من خلالها". كما أنّ عمليات الاستطلاع والمراقبة الاستخباراتية باتت في مكان متقدّم، إذ نرى البعض يستخدم منطاداً ثابتاً للمراقبة على الحدود مثلاً، وفق ما تقول زعرور.
العقيدة العسكرية تبدّلت أيضاً، وتعطي زعرور مثالاً في هذا السياق قائلةً: "بات من الممكن استهداف أي هدف عن بُعد، بنظام مسيّر يتم التحكم فيه عن بُعد حتى خلف خطوط العدو، ومن دون إنزال جوي ولا استهداف من طائرة، وهذا أمر بالغ الأهمية".
أمّا عن الدول الأكثر تفوقاً من الناحية العسكرية، فتقول الخبيرة: "الولايات المتحدة تُعتبر الأولى في العالم لامتلاكها أحدث التقنيات العسكرية، وأحدث الأنظمة والتكنولوجيات الموجودة هي المقاتلة النفاثة التي تتحكم بعدد من المسيّرات بجانبها: تفوّق تقني مدعوم بالتكنولوجيا، وهذا يخفف كثيراً الخطر على العنصر البشري في الحروب".
وماذا عن الدول التي تتصدر سباق التسلّح المرتبط بالذكاء الاصطناعي؟ الجواب طبعاً غير مفاجئ، وتوضح زعرور: "الذكاء الاصطناعي متطوّر في أميركا والصين ويطال كل شيء.
أوروبا أيضاً، وتقريباً كل الدول التي لديها تصنيع عسكري".
هنا لا بد من الإشارة إلى معلومة مهمة، وهي أنّ الذكاء الاصطناعي لا يؤثر فقط على الأنظمة بل أيضاً على تصنيعها.
وتقول زعرور: "استخدام الذكاء الاصطناعي يقلّل وقت تصنيع وتصميم الأنظمة العسكرية، وفق الهدف والعملية. هكذا يطوّرون اليوم عدداً كبيراً من الصواريخ الذكية والذخائر الموجّهة بالليزر، ويطوّرون كل شيء في السحابة القتالية. أمّا الحروب اليوم فتقوم على التوافق بين الأنظمة المأهولة وغير المأهولة والأنظمة التقليدية والحديثة".
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد تقنية مدنية أو أداة للترفيه والعمل، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن والدفاع وعنصراً مؤثراً في طريقة إدارة النزاعات الحديثة. قبل سنوات قليلة، كان الحديث عنه في الحروب أقرب إلى أفلام الخيال العلمي منه إلى الواقع.
أمّا اليوم، فقد أصبحت الخوارزميات جزءاً من العمليات العسكرية اليومية في عدد متزايد من دول العالم.

