ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
في وقت يرزح فيه لبنان تحت واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والماليّة في تاريخه الحديث، عاد ملف جذب الاستثمارات الأجنبيّة إلى الواجهة من خلال مشروع "الإقامة الذهبيّة" الذي أقرّته لجنة المال والموازنة، في خطوة تراهن عليها الدولة لإعادة استقطاب الرساميل وإعطاء إشارة إيجابية إلى الأسواق الخارجية بأن لبنان لا يزال قادراً على استقطاب المستثمرين.
ويقضي المشروع بمنح إقامة طويلة الأمد للأجانب غير المقيمين مقابل استثمار لا يقل عن ٥٠٠ ألف دولار في لبنان، إضافة إلى رسوم سنوية عن أفراد العائلة المستفيدين من الإقامة. إلا أن المشروع لا يزال يحتاج إلى إقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب وإصدار المراسيم التطبيقية قبل دخوله حيّز التنفيذ.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتسابق فيه العديد من الدول، ولا سيما في الخليج وأوروبا، على إطلاق برامج الإقامة الذهبية التي أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على جذب مليارات الدولارات وتنشيط قطاعات العقارات والسياحة والخدمات.
لكن في الحالة اللبنانية، يبدو الرهان أكثر تعقيداً. فلبنان لا يقدّم للمستثمر الأجنبي البنيّة التحتيّة المتطورة أو الحوافز الضريبيّة الواسعة التي تقدمها دول أخرى، بل يراهن بصورة أساسية على عاملين: موقعه الجغرافي المميز، وإمكانية تحقيق عائدات استثمارية مرتفعة في حال استعاد استقراره السياسي والأمني.
وتشير معلومات متقاطعة من مصادر اقتصادية مطلعة إلى أن المشروع لا يستهدف المستثمرين التقليديين فقط، بل يركز أيضاً على رجال الأعمال اللبنانيين المنتشرين في أفريقيا وأميركا اللاتينية ودول الخليج، إضافة إلى مستثمرين عرب وأجانب يبحثون عن فرص استثمارية منخفضة الكلفة تحضيراً لمرحلة إعادة الإعمار المرتقبة في لبنان.
وبحسب معلومات خاصة لـ"الأفضل نيوز" فإنّ: "النقاشات التي سبقت إقرار المشروع تناولت توسيع نطاق الاستثمارات المقبولة وعدم حصرها بالقطاع العقاري، لتشمل تأسيس شركات ناشئة، والمساهمة في المشاريع الإنتاجيّة، وتمويل قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والسياحة الطبيّة، بهدف منع تحوّل الإقامة الذهبيّة إلى مجرد برنامج لشراء العقارات دون تحقيق قيمة اقتصادية مضافة".
كما تبحث الجهات المعنيّة، وفق المعلومات، في إنشاء لجنة تدقيق مالي وأمني خاصة بالطلبات المقدمة، على غرار ما هو معمول به في الدول التي تعتمد برامج الإقامة عبر الاستثمار، وذلك تفادياً لأي شبهات تتعلق بغسل الأموال أو دخول رؤوس أموال مجهولة المصدر. كما تكشف مصادر اقتصادية أيضاً عن توجه غير معلن لربط المشروع مستقبلاً بحوافز ضريبيّة وتسهيلات مصرفيّة خاصة في حال نجح البرنامج في استقطاب استثمارات فعليّة خلال السنوات الأولى من تطبيقه.
اقتصادياً، يعوّل لبنان على قدرة البرنامج في جذب السيولة بالدولار إلى السوق المحليّة، وخلق فرص عمل جديدة وتحريك قطاعات تعاني من ركود حاد، وفي مقدمتها العقارات والخدمات والسياحة. وتشير تجارب دول أخرى إلى أن برامج الإقامة عبر الاستثمار غالباً ما تؤدي إلى زيادة الطلب على العقارات وارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
إلا أن مستشار إدارة الأصول الماليّة دانيال البنا يرى أن نجاح أي مشروع استثماري في لبنان يبقى مرتبطاً أولاً بتوافر بيئة مستقرة. ويقول في حديث لـ"الأفضل نيوز" إنّ: "تعافي القطاع العقاري يرتبط طردياً بوجود بيئة استثمارية مستقرة، فبعد نمو ملحوظ شهده القطاع عقب أزمة ٢٠٢٠ و ٢٠٢٢، أعادت الحرب الأخيرة الحركة إلى الركود من جديد".
ويضيف أن تنشيط السوق العقارية يتطلب استقطاب رؤوس الأموال التي من شأنها رفع الطلب والأسعار، إلا أن هذا السيناريو يبدو مستبعداً في المرحلة الراهنة، إذ لا يمكن توقع إقبال المستثمرين على المخاطرة بأموالهم في بيئة لا تزال تفتقر إلى اتفاق سياسي وأمني واضح.
ويشير البنا إلى أنّ: "المعضلة الأساسية لا تكمن في إطلاق المبادرات الاستثمارية بحد ذاتها، بل في العجز المستمر عن إرساء الاستقرار الأمني وتطوير البنيّة التحتيّة من كهرباء وإنترنت وطرق، وهي ركائز لا غنى عنها لأي خطة اقتصادية متكاملة. وبرأيه، فإن الطروحات الحالية لا تزال أقرب إلى خطوات تجريبية لاختبار مدى قابلية الاقتصاد اللبناني لاستقبال الاستثمارات، فيما يبقى نجاحها مؤجلاً إلى حين تنفيذ إصلاحات جذرية وشاملة".
وفي المقابل، تبقى المخاوف قائمة من أن يتحول البرنامج إلى أداة لرفع أسعار العقارات دون تحقيق استثمارات إنتاجيّة حقيقيّة، وهو ما شهدته بعض الدول الأوروبية التي اضطرت لاحقاً إلى تعديل أو تشديد شروط برامج الإقامة الذهبيّة لديها.
أما خارجياً، فيُنظر إلى المشروع على أنه محاولة لإعادة تسويق لبنان كوجهة أعمال بعد سنوات من الانهيار المالي والعزلة الاقتصادية، ويعتبر مراقبون أن مجرد إقرار قانون بهذا الحجم يشكل رسالة سياسيّة واقتصاديّة تعكس رغبة الدولة في استعادة دورها الاقتصادي والانفتاح مجدداً على رؤوس الأموال الأجنبيّة.
ويؤكد البنا أن تدفق الرساميل نحو لبنان سيبقى رهناً بتحقيق معادلة ثنائيّة الركائز، تقوم أولاً على الاستقرار الأمني الشامل، وثانياً على إرساء خطة إصلاحيّة ماليّة ومصرفيّة واضحة وجريئة للخروج من الأزمة الراهنة.
ويقول: "رغم ما يمتلكه لبنان من مقومات جاذبة، ولا سيما في قطاعي السياحة والضيافة اللذين يثبتان دائماً حيويتهما وقدرتهما على النمو، إلا أن تفعيل هذه الطاقات معطل بفعل غياب الإرادة السياسية. ومن هنا، فإن أي انفراج حقيقي يتطلب أولاً تهدئة جبهات التوتر الأمني، مرفق بدعم خارجي ملموس يمنح المستثمرين الثقة اللازمة للعودة وضخ الأموال في شرايين الاقتصاد اللبناني".
وفي المحصلة، فإن النجاح الحقيقي لمشروع الإقامة الذهبيّة لن يقاس بعدد الإقامات التي ستُمنح أو بحجم الضجة التي أثارها إقراره، بل بقدرته على استقطاب استثمارات حقيقية ومستدامة، ومدى قدرة الدولة اللبنانية على توفير بيئة آمنة ومستقرة للمستثمرين.
فبين طموح إعادة وضع لبنان على خارطة الاستثمار الإقليميّة، وواقع الأزمات السياسية والاقتصادية التي لا تزال تثقل كاهله، تبقى "الإقامة الذهبية" فرصة واعدة، لكنها مشروطة بإصلاحات عميقة تعيد بناء الثقة بالدولة وتحوّل المبادرة من مجرد عنوان جذاب إلى مشروع اقتصادي قادر على المساهمة في مسار التعافي المنشود.

