د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
لم تعد الحرب في أوكرانيا، مجرد ساحة تقليدية لاشتباك الدبابات والمشاة، بل تحوَّلت إلى مختبر مفتوح يعيد صياغة مفهوم القتال نفسه؛ فهناك يتشكل "الارتباط الفائق" (Hyperwar)، حيث يندمج الذكاء الاصطناعي والمسيّرات وشبكات الاستشعار في منظومة واحدة تدفع قرار الحرب إلى سرعة آلية تتجاوز قدرة الإنسان على الاستيعاب.
ضع في اعتبارك أن هذا النموذج يحدّ من مفهوم التفوق العددي للجيوش، بما في ذلك كثافة السلاح، إذ إن الحسم لم يعد مرتبطًا بالكمّ، بل بسرعة تحويل البيانات إلى قرارات ميدانية، وقد أدى ذلك إلى تراجع عنصر المفاجأة، وتآكل فعالية المناورات التقليدية كما كانت تُعرف سابقًا.
شفافية الميدان وسقوط منطق المناورة التقليدية
في الحقيقة، غيّرت المسيّرات والاتصالات الفضائية تشكيل ساحة القتال التقليدية التي كانت تقوم على الاستنزاف (أي إضعاف العدو تدريجيًا عبر خسائر متراكمة في الجنود والعتاد والقدرة القتالية) والكتلة (تجميع أكبر قوة ممكنة من الدبابات والمشاة والمدفعية في محور واحد لتحقيق اختراق سريع وحاسم)، وهي ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ"قوانين لانشستر". فالبشرية اليوم أمام واقع جديد مختلف تمامًا، أقرب إلى بيئة تتحرك فيها المعركة بشكل مستمر، وتتشكل لحظة بلحظة وفق تفاعل سريع بين الرصد والاستهداف والميدان.
من هنا، فإن هذا التحول يمكن فهمه عبر ثلاث نتائج مترابطة:
• أولًا: أضحت أي حركة في ساحة القتال مكشوفة تقريبًا منذ لحظة انطلاقها.
• ثانيًا: باتت خطوط الإمداد الحلقة الأضعف في ساحة القتال، من خلال تعرضها للاستهداف والشلّ قبل وصول الإمدادات إلى الجبهات .
وبناءً على ذلك كله، ظهر في ميدان المعارك ما يُعرف بـ"المنطقة الرمادية"، وهي شريط قتال غير مستقر يمتد لنحو 10 كيلومترات على جانبي خط الجبهة، حيث تصبح الحركة داخله شديدة الخطورة بسبب المراقبة الجوية المستمرة والضربات السريعة عبر المسيّرات.
اقتصاديات الموت: حين تتحول الحرب إلى معادلة كلفة وإبادة
في الواقع، انتقلت الحرب الروسية ــ الأوكرانية من كونها صراع منصات إلى حرب استنزاف رقمية تُدار بمنطق الكلفة مقابل الأثر، حيث لم يعد الهدف فقط تحقيق التفوق الميداني، إنما الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة بأقل تكلفة وبأسرع استنزاف للخصم.
وانطلاقًا من هذه النقطة، تشير تقديرات موقع Army University Press (التابع للجيش الأمريكي) إلى أن ضربات المسيّرات المتبادلة بين الطرفين الروسي والأوكراني، تسببت في العام 2025 وحده، بإصابة ما بين 70 و80% من الأفراد بين قتيل وجريح، كما أدت إلى تدمير نحو 60 إلى 70% من المركبات القتالية.
لكن الأهم من الأرقام، هو الاختلال البنيوي في "اقتصاد الحرب"، فالمسيّرة الانتحارية من نوع شاهد ( التي تستخدمها موسكو وهي إيرانية الصنع) تكلف تقريبًا بين 20 و30 ألف دولار، في حين يُجبر الطرف المدافع (الأوكراني) على استخدام صواريخ اعتراض مثل Patriot PAC-3 تصل كلفة الواحد منها إلى نحو 3.7 مليون دولار.
الذئاب البحرية الرقمية وتفكك احتكار القوة البحرية
عمليًا، أثبتت أوكرانيا أن التفوق البحري القائم على الأساطيل الضخمة تلاشى؛ فالزوارق المسيّرة (USVs) مثل Sea Baby وMagura V7، تمكنت كييف من إلحاق خسائر معتبرة بأسطول البحر الأسود الروسي، وصلت في بعض التقديرات إلى نحو 30 % من القدرة التشغيلية.
المثير أن هذه الأنظمة، التي تُنتَج في بيئات صناعية خفيفة، تعتمد على اتصال فضائي مباشر مثل Starlink، ما يتيح لها العمل كمنظومات هجومية دقيقة رغم بساطتها. اللافت للانتباه، إلى أن هذا النمط، نقل البحر من ساحة سيطرة تقليدية إلى مسرح "مطاردة مستمرة"، حيث لم تعد السفن الكبيرة تتحرك بأمان، بل ضمن بيئة مراقبة واستهداف دائمين.
البيانات كسلاح سيادي واختلال سلاسل الإمداد
تشكّل بيانات القتال في أوكرانيا اليوم موردًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، لأنها تمثل الأساس الذي تُبنى عليه أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية في المستقبل، سواء في التدريب أو في تطوير أساليب الاستهداف واتخاذ القرار.
وفي الوقت نفسه، انتهى زمن اعتماد الجيوش على السلاح التقليدي، بعدما دخل المجال الرقمي بقوة ساحات الميدان.. فالمعركة اليوم لا تدور فقط على الأرض أو في الميدان، بل تمتد أيضًا إلى أنظمة الاتصال وتخزين البيانات وتدفق المعلومات بشكل مستمر. وهكذا تصبح البيانات نفسها جزءًا مباشرًا من القتال، وليست مجرد وسيلة دعم خلف الكواليس، إنما عنصر يؤثر في سير المعركة ونتائجها بشكل فوري.
في المقابل، يظهر تحدٍّ أكبر يرتبط بسلاسل الإمداد؛ إذ تسيطر الصين على ما يقارب 80 إلى 90% من مكونات صناعة المسيّرات مثل البطاريات والمستشعرات والمغناطيس والشرائح الإلكترونية الدقيقة، وهذا بدوره يخلق مفارقة واضحة: الدول التي تستخدم هذه التقنيات في حروبها تستند في الوقت نفسه إلى دولة تُعد منافسًا جيوسياسيًا رئيسيًا.
أما روسيا، فقد اتجهت إلى تنظيم هذا المجال بشكل أكثر مركزية عبر وحدات متخصصة مثل Rubicon، التي تربط بين تطوير المسيّرات والذكاء الاصطناعي ضمن منظومة واحدة هدفها تسريع الاستهداف وتحسين ما يُعرف بـ"سلسلة القتل"، أي تسلسل رصد الهدف وتحديده ثم ضربه في وقت قصير جدًا.
في المحصلة:
تكشف التجربة الأوكرانية أن مركز القوة في الحروب الحديثة لم يعد في حجم السلاح، بل في قدرة الشبكات الرقمية على ربط الأنظمة وتوجيهها بسرعة ومرونة،
والفارق الحاسم اليوم، لا يصنعه العتاد بحد ذاته، لكن سرعة التكيف والتعلم داخل مؤسسات قادرة على مواكبة ساحة قتال تتغير بشكل مستمر.

