عماد مرمل _خاص الأفضل نيوز
لعل المرحلة الحالية التي يواجهها الجيش اللبناني هي واحدة من أكثر المراحل دقةً وتعقيدًا، إذ أنه يتعرّض الى حملة غير مسبوقة من أصوات في الداخل والخارج على حد سواء، بغية دفعه الى مواجهة حزب الله عسكريًا تحت طائلة التهديد بإزاحة قائده العماد رودولف هيكل من موقعه.
ورغم أن تلك الضغوط اتخذت منحى تصاعديًا في الفترة الأخيرة، إلا أن الجيش لا يزال يرفض الانصياع لها، لمعرفته بأن كلفة مواجهتها تظل أقل من كلفة الرضوخ لها والوقوع في فخ الاقتتال الداخلي.
واستنادًا الى هذه القاعدة رسم الجيش لنفسه وللآخرين خطًا أحمرَ قوامه ممنوع على أي طرف سياسي تهديد السلم الأهلي والانجراف الى خوض صدامات جانبية مع الآخر من دون الانتقاص في الوقت نفسه من حرية الرأي ضمن الضوابط القانونية المرعية الإجراء، وممنوع على الجيش أيضا أن يبادر بنفسه الى الاشتباك مع أي مكون لبناني سواء كان حزب الله أم غيره لأن ذلك يتعارض أصلاً وجوهر دوره.
وبهذا المعنى، تعرف المؤسسة العسكرية أن العدو الإسرائيلي يريد منها أن تنفذ المهمة التي عجز هو عن إنجازها رغم القوة الهائلة المتوافرة لديه، بحيث يتم جرّ الجيش الى قتال حزب الله فيما يتولى العدو التفرج عليه ومنحه العلامات تبعًا لنتائج الامتحان.
وربطا يحرص الجيش على عدم الوقوع في المصيدة الإسرائيلية، فهو يصرّ على أن يبدأ تطبيق نموذج المناطق التجريبية من أماكن يحتلها الجيش الإسرائيلي وليس من أماكن يتواجد فيها حزب الله كما طلبت تل أبيب التي اقترحت خلال جولة الأخيرة من مفاوضات واشنطن أن يدخل الجيش أولا الى مرتفعات علي الطاهر، فرفض الوفد العسكري هذا الطرح المفخخ، ثم عرض نتنياهو بعد توقيع الاتفاق الإطاري الانسحاب من بلدتَي فرون وزوطر الغربية وتسليمهما الى الجيش ليتبين أن الاحتلال لم يصل أصلًا الى هاتين البلدتين وأن نتنياهو يحاول أن يبيع لبنان من كيسه عبر خدعة مكشوفة.
ويؤكد المطلعون على موقف اليرزة أن الجيش يعتبر أن ملف السلاح لا يُعالج بالسلاح، لأن من شأن ذلك أن يؤدي الى مردود عكسي من دون تحقيق الغاية المتوخاة.
ويشير هؤلاء الى أن الواقعية السياسية تقتضي الالتفات الى أن الحل الجذري لمسألة السلاح لا يمكن أن يحصل بمعزل عن التفاوض الأميركي - الإيراني، وبالتالي فإن المقاربة المفترضة من أجل معالجة هذه المسألة يجب أن تكون جزءًا من الاتفاق النهائي بين طهران وواشنطن.
ويشدّد أصحاب هذا الرأي من القريبين من اليرزة على أنه لا يجوز تحميل الجيش ما يفوق طاقته على التحمل، منبهين الى خطورة أن يجري اختزال الحل لهذه القضية به وحده، وأن يوضع لغم السلاح الموصول بأسلاك تعقيدات شتى بين يديه، ثم مطالبته بتفكيكه وإلا تفجيره حتى لو أدى ذلك إلى بتر أصابع المؤسسة العسكرية التي تشكل صمام الأمان الوحيد للسلم الأهلي.
وانطلاقًا من محاذير إغراق الجيش في الرمال المتحركة، بادر كل من رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي، ربطا بما يمثله كل منهما، الى حمايته سياسيًا على قاعدة أنه خط الدفاع الأخير عن الاستقرار الهش.

