راما الجراح - خاصّ الأفضل نيوز
تتوالى الحوادث التي تطال الأطفال في لبنان، لتعيد إلى الواجهة ملف حمايتهم من الاعتداءات والانتهاكات، وسط مطالبات بتشديد العقوبات وتطبيق القوانين بحزم. ففي وقت لا تزال فيه قضية محاولة استدراج طفلة في منطقة الضمّ والفرز في طرابلس تتفاعل قضائيًّا وشعبيًّا، برزت قضية جديدة في محافظة عكار أثارت موجة استياء واسعة، بعدما أوقفت القوى الأمنية سائقًا لنقل الطلاب إثر تداول مقطع فيديو يُظهر تصرفات وُصفت بأنها غير لائقة مع أطفال أمام إحدى المدارس.
محاولة استدراج طفلة في طرابلس
وكانت قضية طرابلس قد أثارت صدمة واسعة بعد انتشار معلومات عن قيام شخص يرتدي زي "مهرّج" بمحاولة استدراج طفلة إلى مكان بعيد عن أنظار ذويها، في محاولة للتحرش بها، قبل أن يتم إحباط الواقعة. ولا تزال القضية قيد المتابعة القضائية، وسط مطالبات بإنزال أشد العقوبات بحق كل من يثبت تورطه في جرائم تستهدف الأطفال.
توقيف سائق نقل طلاب في عكار
وفي تطور جديد، أوقفت القوى الأمنية في محافظة عكار رجلًا خمسينيًّا، وهو عسكري متقاعد يعمل سائقًا لنقل الطلاب بين المنية وعكار، بعدما جرى تداول مقطع فيديو يُظهر تصرفات اعتبرها كثيرون غير لائقة مع أطفال أمام إحدى المدارس.
وبحسب المعلومات، فإن إحدى المعلمات قامت بتصوير الفيديو بهدف تقديمه إلى الجهات المختصة، ما دفع القوى الأمنية إلى مباشرة تحقيقاتها وتوقيف المشتبه به. كما أشارت معلومات متداولة إلى أنه أُخلي سبيله لاحقًا، بانتظار استكمال التحقيقات والإجراءات القانونية.
وأثارت القضية ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث طالب ناشطون بإجراء تحقيق شفاف وشامل، ومحاسبة أي شخص يثبت تورطه في الاعتداء أو التحرش بالأطفال، لما تخلّفه هذه الجرائم من آثار نفسية واجتماعية طويلة الأمد على الضحايا.
كرم: يجب تشديد العقوبات وتفعيل صندوق الدعم
وفي قراءة قانونية للملف، أوضحت المحامية ريتا كرم أن حماية الأطفال في لبنان تستند بداية إلى الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، التي انضم إليها لبنان، والتي تلزم الدول الموقعة، ولا سيما بموجب المادة 34، باتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال والانتهاك الجنسي.
وأضافت، عبر "الأفضل نيوز"، أن الاتفاقيات الدولية التي يصادق عليها لبنان تكتسب قوة قانونية ملزمة، ما يفرض على السلطات تطبيق الالتزامات الواردة فيها، وفي مقدمتها توفير الحماية للأطفال.
ولفتت كرم إلى أن المنظومة القانونية اللبنانية تتناول هذه الجرائم عبر ثلاثة قوانين أساسية: قانون العقوبات اللبناني، وقانون حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرضين للخطر، إضافة إلى القانون الرقم 205/2020 المتعلق بتجريم التحرش الجنسي، والذي يُعد من القوانين الحديثة ويحدد مفهوم التحرش والعقوبات المترتبة عليه.
وأشارت إلى أن القانون شدد العقوبات عندما يكون الضحية طفلًا، ولا سيما إذا كان الفاعل من الأشخاص المؤتمنين على رعاية الطفل أو حمايته، كأحد أفراد العائلة أو أي شخص وُضع في موقع يمنحه ثقة الأطفال وأهاليهم.
ورأت أن هذه الصفة قد تنطبق أيضًا على حادثة طرابلس، معتبرة أن الشخص الذي يرتدي زي مهرّج في مكان مخصص للأطفال يكون عمليًّا في موقع يمنحه ثقة الصغار، ما يجعله مؤتمنًا على سلامتهم لا مصدر تهديد لهم.
وفي ما يتعلق بالعقوبات، اعتبرت كرم أن العقوبات الحالية غير كافية، إذ إن القانون ينص في بعض الحالات على الحبس من سنتين إلى أربع سنوات مع الغرامة، وهي عقوبة تبقي الجرم ضمن إطار الجنحة.
وأكدت أن المطلوب هو تشديد العقوبات وتحويل هذه الجرائم إلى جنايات، بحيث لا تقل العقوبة عن سبع سنوات مع الأشغال الشاقة، أسوة بجرائم الاغتصاب أو تسهيل الدعارة، لما تشكله جرائم التحرش بالأطفال من خطورة كبيرة على الضحايا والمجتمع.
كما لفتت إلى أن قانون التحرش نص على إنشاء صندوق خاص في وزارة الشؤون الاجتماعية لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي واللوجستي للأطفال الضحايا، إلا أن هذا الصندوق لم يُفعّل حتى اليوم.
وختمت بالتأكيد أن العديد من قضايا التحرش يكون مرتكبوها من المحيط القريب للطفل، وبعد انتهاء العقوبة قد يعود المعتدي إلى البيئة نفسها التي يعيش فيها الضحية، في وقت لا تزال فيه الدولة تفتقر إلى منظومة متكاملة للدعم النفسي والاجتماعي وحماية الأطفال، وهو ما يستدعي الإسراع في تفعيل الآليات المنصوص عليها في القانون، إلى جانب تشديد العقوبات وتعزيز إجراءات الوقاية والإبلاغ.

