نبيه البرجي - خاصّ الأفضل نيوز
هي الضربة الصاعقة التي أتت من الكاتب الصحافي الأميركي اليهودي البارز توماس فريدمان. اتهام بنيامين نتنياهو بزعزعة الدور اليهودي في الولايات المتحدة، بل والعبث بمصير اليهود في العالم، أخذاً بالاعتبار التداعيات الصادمة التي أحدثتها سياساته الدموية في كل من غزة ولبنان، ودون أن يكترث بالآراء التي ظهرت على مواقع التواصل والتي أحدثت ثورة في مجال صناعة الرأي العام، لا سيما في مدينة نيويورك، الحاضرة المركزية لليهود في أميركا...
حول ما يتردد من أن في رأس زعيم الليكود مفاجآت عسكرية ضاربة قبيل انتخابات الكنيست، يرى فريدمان أن رأس نتنياهو بات عالقاً بين يدي دونالد ترامب الذي لاحظ أن "التجاوزات الهيستيرية للرجل أثرت، بشكل أو بآخر، على الدور الأميركي في الشرق الأوسط كحلبة شديدة الحساسية، على المستوى الجيوستراتيجي، بالنسبة إلى صراع القوى العظمى على قيادة الكرة الأرضية". استطراداً لا مفاجآت بل محاولات في الظلام لإنقاذ رأسه من الضياع بين حجارة الهيكل.
جيريمي بن عامي، رئيس منظمة "جي ـ ستريت" اليهودية في الولايات المتحدة، والمناوئة للوبي اليهودي (إيباك)، توجه إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية بالقول: "أي نوع من الحمقى أنت عندما تثير غضب الرئيس الأميركي، وهو الذي يراهن على أن يكون الاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال بلاده البوابة الكبرى للدخول إلى التاريخ، تماماً كما الرؤساء الأربعة الذين نحتت وجوههم على الواجهة الصخرية لجبل راشمور في ولاية داكوتا الجنوبية (جورج واشنطن، توماس جيفرسون، أبراهام لنكولن وفرنكلين روزفلت)؟".
تجارب سابقة أظهرت مدى تأثير الإدارة الأميركية في المسار الانتخابي للكنيست.
قناة "فوكس نيوز" لا تستبعد أن يلجأ ترامب إلى تصعيد اللهجة حيال نتنياهو عشية فتح صناديق الاقتراع مع انعكاس ذلك على توجهات الناخبين. لكن اللافت أن أحد معلقي صحيفة "إسرائيل هيوم" يتصور أن نتنياهو هو من الدهاء (والمراوغة) بحيث يمكن أن يعرض على الرئيس الأميركي، لدى لقائه الوشيك به، صفقة تعيده إلى شخصية "الصبي الأميركي" لقاء بقائه في رئاسة الحكومة. هذا ما حمل الديبلوماسي الأميركي اليهودي المخضرم ريتشارد هاس على التعقيب على ذلك بالقول: "في علمنا أن الأفعى تغيّر جلدها لا رأسها"!
هاس يحذر من الوثوق بنتنياهو الذي يمكن أن يصل بتفكيره الدونكيشوتي والمكيافيلي إلى حد الرهان على "الجنرال زمن" من خلال سياسة "مراقصة عقارب الساعة" بطريقة "رقاص الساعة" كي يستنفد دونالد ترامب العام الثالث من ولايته ويتحول في السنة الرابعة، كما سائر الرؤساء الآخرين، إلى "بطة عرجاء"، ما دام يجهل كلياً أوجه الاختلاف بين الرئيس السابع والأربعين وغالبية الرؤساء الذين سبقوه.
ولكن ألا يصف الجنرال إسحاق بريك رئيس الحكومة، في المشهدية الراهنة، وقبل مدة وجيزة من يوم الانتخابات، حيناً بـ"الدجاجة المذعورة" وحيناً بـ"الدجاجة المجنونة"، داعياً إلى محاكمته بتهمة "اغتيال إسرائيل"!
منذ إعلانه الحرب على غزة وهو يطلق الشعارات الإمبراطورية دون أن يدرك أنها شعارات مستحيلة كونه لا يمتلك القوة الذاتية لتحقيق أي منها. قال بـ"تغيير الشرق الأوسط"، لتواجهه صحيفة "هآرتس" بالقول: "لا نتصور أنك ورثت قرني الإسكندر ذي القرنين"، ثم "إقامة إسرائيل الكبرى" باعتبارها الوصية الإلهية الحادية عشرة التي نزلت خفية على جبل الطور. باقتضاب إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية ـ والرؤيا ـ التوراتية. هنا تعليق من الجنرال الآخر يسرائيل زيف: "لعلك نسيت أنك بإدارتك السيئة للسياسات وللحروب جعلت إسرائيل تضيع بين الرمال في غزة، ولا تزال ضائعة هناك...". هكذا عامان كاملان دون أن يتمكن من احتواء المقاومين الفلسطينيين الذين كانوا يقاتلون في ظروف أكثر من أن تكون مستحيلة، وليتكرر المشهد في لبنان.
تصوروا أن تصل به سياسة القتال ضد طواحين الهواء، وتعقيباً على التهديد الضمني من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بالتوقف عن إمداده بالسلاح، إلى القول ببناء ترسانة دفاعية بالإمكانات الذاتية الإسرائيلية كما لو أن جدعون ليفي لم يقل: "لولا أميركا لكان علينا أن نقاتل الفلسطينيين بالعصي والحجارة". هنا نذكّر بقول الممثل الكوميدي والمذيع التلفزيوني المصري باسم يوسف: "لا شك أن نتنياهو ضاع بين الوقوع في أحضان أميركا والوقوع في أحضان زوجته سارة"!
الآن ماذا إذا أطبقت صناديق الاقتراع على عنق بنيامين نتنياهو الأمر المرجح؟ هل يحزم حقائبه، كما قالت سارة، "ولتحترق إسرائيل"، أم يلتف، كما مناحيم بيغن، ببطانية الصوف بانتظار نقله إلى مقبرة "جبل هرتزل" التي قالت وسائل الإعلام الإسرائيلية إنها لم تعد تتسع للجنود القتلى؟ لا بد من العثور على قبر لآخر القتلى...
ملاحظة مثيرة من الناشط السياسي الأميركي، والمرشح لعضوية الكونغرس، إريك كيل الذي نشر شريطاً مصوراً يظهر فيه وهو يضرم النار في علم إسرائيل: "قبل 250 عاماً كنا بحاجة إلى الاستقلال عن بريطانيا. الآن ـ عام 2026 ـ نحن بحاجة إلى إعلان الاستقلال عن إسرائيل".
في هذه الحال، أين يفترض أن يلقى برأس بنيامين نتنياهو؟

