الياس المر - خاص الأفضل نيوز
يأتي اجتماع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة هذا العام في ظرف دولي استثنائي، حيث تتداخل الحروب المفتوحة مع إعادة رسم خرائط النفوذ، وتتزاحم الأزمات الأمنية من أوروبا إلى الشرق الأوسط ومن المحيط الهادئ إلى البحر الأسود. ولذلك، فإن هذه القمة لا تشبه سابقاتها، إذ تنعقد في ظل تداعيات الحرب على إيران، واستمرار الحرب الأوكرانية، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، بما يجعلها محطة مفصلية في مستقبل النظام الدولي.
أول ما يفرض نفسه على جدول الأعمال هو تداعيات الحرب على إيران، وما كشفته من حدود القوة العسكرية الغربية، وإمكان انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية أوسع. كما أن نتائج هذه الحرب ستنعكس مباشرة على العقيدة العسكرية للحلف، وعلى تقييمه لمفهوم الردع الجماعي، خصوصاً ما برز من تداعيات للانتشار العسكري الغربي بشكل قواعد، أو رادارات، في دول الخليج وما لها من أثر سلبي على أمن واستقرار هذه الدول، كما وتشكل نقطة ضعف يسهل استهدافها بدل أن تكون عامل قوّة، ودرس انسحابها أو تقليص وجودها، الأمر الذي من شأنه أن يغيّر معادلات القوة في الشرق الأوسط، ويحد من حرية الحركة الجوية الغربية والإسرائيلية.
وفي المقابل، تعود الحرب في أوكرانيا إلى صدارة النقاش، ولكن هذه المرة وسط تباين واضح داخل المعسكر الغربي. فالولايات المتحدة تبدو أكثر ميلاً إلى البحث عن تسوية سياسية توقف الاستنزاف المالي والعسكري، مع استمرار قنوات التواصل مع موسكو لتجنب الانفجار المباشر بين القوتين النوويتين. أما عدد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا ودول البلطيق وبولندا، فما زالت ترى أن إضعاف روسيا يمثل أولوية استراتيجية، وأن أي تسوية لا تحقق هذا الهدف قد تمنح موسكو فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية.
ومن هنا سيبرز ملف الدعم العسكري لأوكرانيا، ولا سيما طلب كييف الحصول على المزيد من منظومات الدفاع الجوي. غير أن هذا الطلب يفتح باباً واسعاً أمام سؤال استراتيجي أكثر تعقيداً: ماذا لو ردت موسكو، بدعم صيني، عبر تزويد إيران أو حلفاء آخرين بمنظومات دفاعية متطورة؟ عندها لن يبقى الصراع محصوراً في أوروبا، بل سيتحول إلى سباق عالمي لإعادة توزيع القدرات العسكرية بين المحاور المتنافسة.
ويحمل انعقاد القمة في أنقرة دلالات إضافية تتجاوز الجانب البروتوكولي. فتركيا أصبحت لاعباً محورياً داخل الحلف وخارجه، فهي عضو في الناتو، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات مع روسيا، وتوسّع تعاونها مع دول آسيوية وإقليمية. كما تواجه تحديات متزايدة في شرق المتوسط وسوريا والعراق، إلى جانب تصاعد التوتر مع إسرائيل نتيجة التباينات الحادة حول الحرب في غزة ومستقبل القضية الفلسطينية. وهذا يثير تساؤلات حول كيفية تعامل الولايات المتحدة مع احتمال توسع الخلاف التركي الإسرائيلي، ومدى قدرة الناتو على احتواء أي أزمة بين حليفين يرتبط كل منهما بشبكة مصالح أمنية مع واشنطن.
ولا تقتصر التحديات على الشرق الأوسط وأوكرانيا. فملف الإنفاق الدفاعي سيعود بقوة إلى النقاش، بعدما تجددت داخل الولايات المتحدة الأصوات التي تعتبر أن الحلف بات يشكل عبئاً مالياً على دافع الضرائب الأمريكي. وتستمر الدعوات الأمريكية إلى زيادة مساهمة الدول الأوروبية في تمويل أمنها، وسط تساؤلات متكررة حول جدوى استمرار واشنطن في تحمل الجزء الأكبر من أعباء الدفاع عن أوروبا.
كما ستفرض المنافسة مع الصين حضورها في القمة، ليس باعتبار بكين خصماً مباشراً للحلف، بل بوصفها القوة الصاعدة التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وسيبحث الحلف سبل مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في البنى التحتية والاتصالات والموانئ، إضافة إلى التعاون العسكري المتنامي بين بكين وموسكو.
ومن الملفات الساخنة أيضاً أمن منطقة القطب الشمالي، الذي تحول إلى ساحة تنافس استراتيجي بسبب ذوبان الجليد وفتح ممرات بحرية جديدة، فضلاً عن التوتر المستمر في بحر البلطيق والبحر الأسود، والتهديدات السيبرانية، وحماية البنى التحتية الحيوية، وخاصة شبكات الطاقة وخطوط الكابلات البحرية، بعد سلسلة الحوادث التي أثارت قلقاً غربياً واسعاً خلال العامين الماضيين.
أما الشرق الأوسط، فسيبقى حاضراً بقوة، سواء عبر تداعيات الحرب في غزة، أو أمن الملاحة في البحر الأحمر، أو مستقبل سوريا والعراق، أو تنامي نفوذ القوى الإقليمية. كما سيبحث الحلف انعكاسات أي تصعيد محتمل على أسواق الطاقة العالمية، وعلى أمن أوروبا الاقتصادي، في ظل استمرار هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
في المحصلة، لا يبدو اجتماع أنقرة مجرد لقاء دوري لقادة الناتو، بل أقرب إلى غرفة عمليات سياسية وعسكرية تبحث عن إجابات لأسئلة تتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه. فالعالم يشهد انتقالاً متسارعاً من مرحلة الهيمنة الغربية شبه المطلقة إلى مرحلة تعدد مراكز القوة، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين والقوى الإقليمية في شبكة معقدة من الصراعات والتفاهمات. ولذلك، فإن القرارات التي ستصدر عن هذه القمة لن تحدد فقط مستقبل الحلف، بل قد ترسم أيضاً ملامح التوازنات الدولية خلال السنوات المقبلة.

