محمد علوش -خاصّ الأفضل نيوز
تشكل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق محطة في سياسة الانفتاح الأوروبي المتدرج على سوريا بعد سنوات من العزلة، بالإضافة إلى كونها تمثل تحولاً سياسياً يحمل دلالات تتجاوز العلاقة الثنائية بين باريس ودمشق، لتطال مستقبل التوازنات في المشرق كله، وفي مقدمها لبنان.
فالزيارة، بوصفها أول زيارة لرئيس دولة غربية كبرى إلى دمشق منذ سنوات طويلة، تعني عملياً أن مرحلة المقاطعة السياسية التي فرضها الغرب على سوريا دخلت مرحلة جديدة، وأن جزءاً من العواصم الأوروبية بات يتعامل مع الدولة السورية باعتبارها حقيقة سياسية، سواء اختلف معها أو اتفق. فبعد سنوات عاد منطق المصالح ليطغى على منطق الشعارات، خصوصاً مع تبدل المشهد الإقليمي، وانخراط دول عربية عدة في إعادة العلاقات مع دمشق، إضافة إلى إدراك أوروبي متزايد بأن ملفات الإرهاب والهجرة والطاقة والاستقرار الإقليمي لا يمكن مقاربتها من دون التواصل المباشر مع سوريا.
ومن هذه الزاوية، جاءت زيارة ماكرون كمحاولة واضحة لإعادة تثبيت موقع باريس لاعباً أساسياً في فرنسا، تماما كما تسعى في لبنان، بظل الرفض الأميركي الواضح لحضور باريس، وفي وقت تشهد فيه المنطقة سباقاً دولياً على النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والقوى الإقليمية. ففرنسا تدرك أن خسارة موقعها في سوريا تعني خسارة قدرتها على التأثير في ملفات لبنان وشرق المتوسط والطاقة، وهي الملفات التي شكلت تاريخياً جزءاً من الحضور الفرنسي في المنطقة.
اقتصادياً، تحمل الزيارة أبعاداً لا تقل أهمية عن بعدها السياسي. فإعادة إعمار سوريا، متى انطلقت بصورة فعلية، ستكون واحدة من أكبر الأسواق في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، والشركات الفرنسية لا تريد أن تجد نفسها خارج المنافسة بعدما سبقتها شركات كثيرة إلى تثبيت موطئ قدم لها. ولذلك فإن إعادة فتح القنوات السياسية مع دمشق على أوسعها تمثل أيضاً محاولة لضمان حصة فرنسية في مشاريع البنى التحتية والطاقة والاتصالات.
أما بما يخص لبنان، تتعامل باريس مع الاستقرار اللبناني باعتباره جزءاً من أمن شرق المتوسط، لكنها باتت تدرك أكثر من أي وقت مضى أن معالجة ملفات مثل الحدود والنازحين والتهريب والتبادل الاقتصادي لا يمكن أن تتم من دون تنسيق رسمي بين بيروت ودمشق تحاول فرنسا أن يكون لها دور فيه.
ومن هنا، فإن أحد أبرز الأبعاد غير المعلنة للزيارة يتمثل في محاولة فرنسا لعب دور المساعد الذي يعيد تنظيم العلاقة الرسمية بين الدولتين، بعيداً من الانقسامات اللبنانية التقليدية حول سوريا. فباريس تبحث عن بناء آليات تعاون تخدم المصالح المشتركة وتمنع تحول الحدود إلى مصدر دائم للتوتر الأمني والسياسي.
وفي هذا السياق، يبرز ملف ترسيم وضبط الحدود اللبنانية- السورية كواحد من أكثر الملفات حساسية، وتشير المعطيات إلى أن فرنسا تمتلك الجزء الأكبر من الدراسات والخرائط الرسمية المتعلقة بالحدود البرية بين البلدين، وهي معطيات تجعلها مرشحة للعب دور تقني وسياسي في أي عملية تثبيت نهائية للحدود، ولا سيما في منطقة مزارع شبعا المحتلة.

